الصومال.. لا مثيل له في محنته ومعاناته. إنه البلد الوحيد في العالم الذي عاش 18 عاماً بلا سلطة مركزية أو نظام يحفظ أمن مواطنيه ويحمي أرضه التي انشطرت فظهرت داخله دولة تسمى أرض الصومال. لسنوات طويلة، عجزت عشائره وقبائله عن الاتفاق على قائد يلملم الجراح.
ويبدو أن بريق الأمل قد لاح في الأفق لإنقاذ هذا البلد «المهمل» عربيا. البريق يتمثل في شريف شيخ أحمد مدرس اللغة العربية والجغرافيا الذي أجمع عليه معظم الصوماليين. اختاره البرلمان الصومالي بالشفافية والنزاهة وبمراقبة الجامعة العربية والأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، ليخلف الرئيس عبدالله يوسف أحد أمراء الحرب الذي عجز مثل سابقيه عن وقف نزيف الدم الصومالي.
فاز على 14 مرشحا للرئاسة، متفوقا على رئيس الوزراء السابق «الطموح» نور حسين والجنرال مصلح نجل الرئيس الأسبق محمد سياد بري. شيخ شريف.. هو أول إسلامي يحكم دولة عربية. بعد أن هجر التدريس، اختير زعيماً لما عرف باسم اتحاد المحاكم الإسلامية التي تعد آخر أطراف الصراع الدامي في الصومال.
وللحق، لم يكن الرجل طرفا في ذلك الصراع، ولكن الفوضى هي التي أتت به إلى الصدارة في قائمة المتصارعين على السلطة. يقال انه دخل ساحة الصراع خلال عمله كمدرس في مقديشو. ودفعه إلى ذلك أن إحدى العصابات التي يقودها أمراء الحرب في ظل الفوضى العارمة، خطفت أحد تلاميذه وطالبت بفدية. ودفعه تعاطفه مع تلميذه إلى أن يحشد الأهالي في منطقته، ومن خلالها تمكن من إطلاق سراح التلميذ، ومواجهة حوادث السرقة والسطو والسلب.
ثم انتشرت فكرة المحاكم لمواجهة أمراء الحرب. وكان لابد من توحيدها للتصدي لمن يعيثون في البلاد فسادا وقتلا. وصار شيخ رئيسا لاتحاد المحاكم الشرعية في يوليو 2004. وفي ساحة الصراع، بزغ نجم زعيم اتحاد المحاكم التي توصف بأنها خرجت من رحم النظام القضائي.
وكان هدفها رغم التشويش الإعلامي عليها، تطبيق القانون والنظام والقضاء على الفوضى الناجمة عن غياب الأمن والسلطة المركزية. وعلى مدى عامين كانت المحاكم هي الأقوى في الصراع، ونجحت في دحر تحالف أمراء الحرب الذي سيطر على العاصمة لمدة 15 عاماً.
التدخل العسكري الأثيوبي استهدف المحاكم، ونجحت أديس أبابا في إسقاطها، وفر شيخ شريف إلى كينيا. ويقال انه قابل هناك السفير الأميركي في نيروبي، وقبل بالتفاوض مع الحكومة الانتقالية التي أتى بها الاحتلال الأثيوبي بدعم أميركي.
الصومال الآن خالية من القوات الإثيوبية التي ما أن خرجت من البلاد، حتى استعاد شيخ شريف نجمه كشخصية متفق عليها. شيخ شريف، ليس متشددا أو متعصبا، عرف عنه الاعتدال وفهم أصول دينه. هدفه انتشال الصومال من محنته.
ولكن المصاعب التي تواجهه، تجعله في موقف لا يحسد عليه، فالسلاح مازال في أيدي العابثين بأمن البلاد وعلى رأسهم جناح أسمرا في تحالف إعادة تحرير الصومال الذي يقوده حسن طاهر والذي يقول ان القضية ليست قضية أصوات، وإنما هي قضية مبادئ. وكذلك حركة شباب المجاهدين الذين يسيطرون على بيداوة مقر البرلمان ومعظم مناطق وسط وجنوب الصومال.
حملة السلاح يصرون على القتال وخروج القوات الأفريقية. يرون أن الرئاسة ما هي إلا كرسي في الهواء لا يقوم على قواعد ثابتة. وهو من جانبه، يسعى سلما إلى لم شمل الجميع تحت مظلة السلطة المركزية. نجاح شيخ شريف في مهمته الصعبة يتوقف على الدعم الخارجي للمساهمة في جهود إعادة الأعمار وبناء الدولة الصومالية، ولم نسمع عن مشروع عربي فعلي لإنقاذ الصومال ووضعه على الطريق الصحيح.
حسن صابر
