عندما أنشأت الإدارة الأميركية السابقة معتقل غوانتانامو قبل سبع سنوات، للمشتبه بأنهم إرهابيون، سئل دونالد رامسفيلد الأميركي آنذاك، عن كيف ستتعامل الولايات المتحدة مع المعتقلين، وكيف ستكون محاكمتهم، وماذا ستفعل بهم؟ فأجاب بغطرسته المعهودة: نرميهم في المعتقل، ونقفل الأبواب، ونرمي المفتاح في البحر.
رامسفيلد، لم يكن يكترث، وربما لا يزال بعد خروجه من الوزارة، بما سيشكله معتقل غوانتانامو من أزمة عميقة للولايات المتحدة، على الصعيد الأخلاقي والإنساني، واحترام حكم القانون، وحقوق الإنسان التي ترفع لواء الدفاع عنها، نتيجة خرقها القانون والدستور الأميركي والقوانين الدولية في استخدامها أساليب التعذيب المحرمة دولياً لاستجواب المعتقلين والحصول على المعلومات منهم، والاستمرار في عدم تقديمهم للمحاكمة طوال سنوات.
وهي أزمة، بالإضافة إلى أسباب أخرى، وخطايا، وليست أخطاء، ارتكبتها إدارة الرئيس بوش، أوصلت إلى الحضيض سمعة وصورة وصدقية الولايات المتحدة في العالم، ومنه العالم العربي والإسلامي. مما دفع الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما إلى إيلاء هذه الأزمة أولوية أولى لمعالجتها وإصلاحها.
قرار الإغلاق
فبعد أقل من يومين على توليه مقاليد الرئاسة، وبسرعة قياسية غير معهودة، لإصلاح الخراب وتنظيف الدمار الذي أحدثه سلفه على صعيد السياستين الخارجية والمحلية، أعلن أوباما قراره إغلاق معتقل غوانتانامو، خلال عام من توقيعه الأمر التنفيذي في 22/ 1/ 2009 لإغلاقه، كما أعلن إلغاء أساليب التعذيب المتبعة مع المعتقلين، سواء أثناء أو بعد استجوابهم.
وكذلك إغلاق جميع السجون السرية التي تديرها وتشرف عليها وكالة الاستخبارات الأميركية «سي. آي. ايه» في الخارج، لاحتجاز وتعذيب واستجواب المشتبه بأنهم إرهابيون. وأمر باتباع التحقيق والاستجواب بما يتفق مع المعاهدات والقوانين الأميركية، واتباع المعاملة الإنسانية للسجناء والأسرى طبقاً للالتزامات والقوانين الدولية.
وأوضح عند إعلانه إغلاق غوانتانامو، أن أهداف بلاده وأغراضها ستكون متوافقة ومنسجمة مع القيم الأميركية وحكم القانون، وحدد أهمية إغلاق المعتقل، وما يتضمنه من معان كبيرة بقوله: «اعتقد أن الشعب الأميركي يدرك أننا، كما قلت في احتفال التنصيب، لا نريد مواصلة الخيار الزائف بين سلامتنا ومثلنا. فنحن نعتقد، أن مثلنا بالذات هي التي تمنحنا القوة والمكانة الخلقية الرفيعة، اللتين تمكناننا من المواجهة الفعالة للإرهاب الطائش، الذي تقوم به المنظمات الإرهابية حول العالم».
وقال: إن ما يقوم وسيقوم به، عبر أعماله وقراراته، هذه وغيرها، ليس إلا عملية «استعادة العمل حسب أصول ومعايير العملية القانونية الصحيحة، والقيم الأساسية للدستور، التي تحدد شخصية الولايات المتحدة حتى في خضم الحرب، وحتى في التعامل مع الإرهابيين».
كان واضحاً، وبشكل جلي، من كلام الرئيس أوباما عدم استخدام عبارة «الحرب ضد الإرهاب» وهو شعار ظل يردده سلفه بوش حتى آخر أيام رئاسته. واستخدم أوباما بدلاً من تلك العبارة، عبارة «المواجهة الفعالة للإرهاب».
وعبارة «التعامل مع الإرهاب»، مما دفع إلى الاعتقاد بان الرئيس أوباما بقراراته، وضع نهاية لـ «الحرب ضد الإرهاب» بالمفهوم والمعايير والأساليب التي حددها ونفذها الرئيس السابق بوش وإدارته خلال رئاسته، خصوصاً المفهوم القائل بأن الحرب ضد الإرهاب مفتوحة لا نهاية لها، ودون أي تحديد للعدو، إلا ما تضمنته الصفات المتناقضة التي أطلقتها الإدارة السابقة في تحديدها للعدو، يخرج المرء منها بتحديد للعدو وكأنه «شبح» لا مكان محدداً له، و«الصراع» معه طويل لا نهاية له!
ترحيب ورفض
وتجلى الاعتقاد بنهاية «حرب بوش» ضد الإرهاب، في الترحيب العارم الذي استقبلت به مختلف وسائل الإعلام الأميركية، والأميركيين بقرار الرئيس أوباما إغلاق معتقل غوانتانامو، الذي صار أسوأ رمز «لحروب بوش» ضد العدو «الشبح».
واعتبرت وسائل الإعلام، والخبراء وقادة عسكريون أميركيون سابقون، قرار الرئيس أوباما وضع نهاية للحرب التي حددها الرئيس السابق بوش ضد الإرهاب والإرهابيين. وفي الوقت عينه أكد أوباما أن الولايات المتحدة، تحت قيادته، لن تتراجع ولن تنسحب من مواجهة الإرهاب. بل ستنتصر عليه بقيمها ومثلها وبالقوة العسكرية عندما تدعو الحاجة.
هذا الترحيب، قابله معارضة وانتقادات حادة من الجمهوريين في الكونغرس، وغلاة صقور الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه سلفه بوش. فقد رأوا في إغلاق منتجع غوانتانامو، تسرعا غير محسوب العواقب من الرئيس الجديد وإدارته.
وكان عليه قبل إعلان قراره أن يجد الحلول للتعقيدات والمشاكل التي ستترتب على الإغلاق، كما أن قرار أوباما يبعث برسالة خاطئة للإرهابيين، لكن هؤلاء المعارضين لم يصلوا إلى درجة الرفض القاطع لإغلاق المعتقل، وإنما ولحسابات مختلفة، سياسية ومحلية، أرادوا القول إن الرئيس متسرع جداً في قراراته دون أن يدرس ويأخذ في الاعتبار النتائج التي قد تترتب عليها.
أما الانتقاد الأقوى من هؤلاء الصقور لقرار أوباما فهو أنه بإغلاقه غوانتانامو أخطأ، ووضع نهاية للحرب بكافة أشكالها وأساليبها وحولها إلى قضية يتولى مسؤوليتها الهيئات والجهات المكلفة تطبيق حكم القانون، أي السلطات القضائية.
وقد كان السناتور الجمهوري جون ماكين، الذي نافس أوباما على الفوز بالرئاسة وفشل، من منتقدي أوباما، لكنه لم يصل إليِ حد القول، مثل غيره، إن الرئيس أوباما أنهى الحرب ضد الإرهاب، بل قال: إنه كان يجب على أوباما أن يحل جميع العناصر والجوانب المعقدة جداً بالنسبة لمعتقل غوانتانامو قبل إعلان إغلاقه. لكن ماكين وغيره من المنتقدين تجاهلوا، اعتراف أوباما بصعوبة الموضوع، عندما أعلن أن إغلاق المعتقل سيتم خلال عام.
وانه تم تكليف لجان عدة لبحث الموضوع من كافة جوانبه القانونية والقضائية، وسيتم بحث ملف كل معتقل كحالة خاصة لتحديد ما يجب اتخاذه من إجراءات بحقه سواء ترحيله إلى بلد يقبل استقباله، إذا لم تثبت الأدلة تورطه وتقرر إطلاقه.
أو ستتم محاكمته. واين هل أمام محاكم مدنية أم عسكرية؟ حسب قول أحد مستشاري أوباما الذي أكد أن الإدارة الجديدة تتطلع نحو مساعدة الدول الأوروبية وغيرها خلال الأشهر المقبلة في معالجة هذا الموضوع.
أساليب أخرى
وأكد ذلك كايل سكوت مندوب الولايات المتحدة الدائم لدى منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، في كلمة أمام المنظمة مؤخراً، مخاطباً أعضاء المنظمة بأن بلاده تنتظر مساعدة الدول الأعضاء في المنظمة لحل المشكلة.
وفي رد المسؤولين في الإدارة الجديدة على الاتهامات بان الرئيس أوباما أنهى الحرب ضد الإرهاب، وانسحب منها يعيدون قول أوباما في حفل التنصيب، «إن الرسالة التي نبعث بها إلى جميع أرجاء العالم، هي أن الولايات المتحدة تعتزم مواصلة الكفاح ضد العنف والإرهاب حتى النهاية، وإننا سنفعل ذلك بمنتهى الحذر واليقظة، وبفاعلية قوية، بأسلوب يتطابق مع قيمنا ومثلنا».
يتضح مما سبق أن الرئيس أوباما أقدم فعلاً على قطيعة شبه تامة مع سياسة ونهج سلفه في الحرب ضد الإرهاب، وأعلن نهجاً وسياسة وأسلوباً جديداً لمكافحة الإرهاب، عبر إقامة علاقات شراكة وتعاون عالمية قوية للتصدي للإرهاب، وهو أسلوب جديد، أهم مكوناته إنعاش الدبلوماسية كمنطلق أساسي لسياسات إدارته، وليس القوة العسكرية، كما كان نهج سلفه، وتعزيز وزيادة مساعدات التنمية، واعتماد طريق جديد يقوم على مباديء عدة أولها المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل.
ويؤكد النهج الجديد، الذي يسود الاعتقاد بأنه وضع نهاية للحرب ضد الإرهاب، إن الرئيس أوباما عازم ومصمم على سحب القوات الأميركية من العراق، بطريقة مسؤولة، مع ضمان تحسن الوضع الأمني وقدرة العراقيين على تحمل مسؤوليات حكم أنفسهم، بينما ظل سلفه بوش يؤكد باستمرار على أن حربه في العراق، تشكل الجبهة المركزية في الحرب ضد الإرهاب.
أفغانستان التحدي الأكبر
وأكثر من ذلك، فإن الرئيس أوباما، رغم تأكيده على أن أفغانستان تشكل أكبر تحد للولايات المتحدة، وانه يعتزم زيادة القوات الأميركية هناك، ليركز على مكافحة الإرهابيين والتصدي لهم هناك، وفي المناطق الحدودية مع البلد المجاور باكستان، رغم ذلك فانه يضع خطة لخمس سنوات، تقضي عند انتهائها. بسحب القوات الأميركية من أفغانستان.
وفي إطار هذه الخطة، يتم اعتماد التنمية هناك، وبناء البنية التحتية، بمشاركة الدول الحليفة والصديقة خصوصاً دول حلف الناتو، وإلى هذا قال مسؤولون في إدارته، إن الرئيس أوباما سيطرح هذا الموضوع في قمة دول حلف «الناتو» التي ستعقد في أوروبا في أبريل المقبل، وانه سيسعى لتحقيق الاجماع على ذلك، لأن هذا النهج سيفتح الطريق ويمهدها أمام خروج الولايات المتحدة من أفغانستان حسب خطة السنوات الخمس.
ومن هنا ستتركز مهمة المبعوث الأميركي الخاص لأفغانستان وباكستان لتحقيق هذا الهدف، بالتعاون مع الحلفاء، للقناعة بان الولايات المتحدة لن تكون وليست قادرة على حل المشكلة الأفغانية لوحدها. وللحقيقة القائلة إن الولايات المتحدة ليس لديها المال ولا الصبر المطلوب لتحقيق نصر عسكري، وهو أمر مستحيل كما قال وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس قبل أيام.
تحذير من المستنقع
يضاف إلى ما سبق أن الكثير من مستشاري الرئيس أوباما، سواء الذين يحتلون مناصب رسمية، أو أولئك الذين يستمع إلى نصائحهم وآرائهم رغم عدم شغلهم مناصب رسمية، يحذرونه من إغراق الولايات المتحدة في أفغانستان بحرب طويلة لن تكون لها نهاية، ويحذرونه من نهج الإدارة السابقة في الحرب ضد الإرهاب، الذي لم يقض على الإرهاب، بل أدى إلى زيادته وتفاقم المشكلة، وأدى إلى كراهية الولايات المتحدة في العالم.
ويذكرونه بالتجارب والنتائج التي انتهى إليها الاحتلال البريطاني لذلك البلد والاحتلال السوفييتي في أواخر القرن الماضي، وانتهى بالفشل والانسحاب، وعلى الولايات المتحدة أن تتعلم الدرس ويذكرونه بان استخدام القوة العسكرية بالقوة، أمر ترفضه كل دول العالم ولا تقبل به، وعلى الولايات المتحدة أن تخرج من سلوك هذا الطريق المكلف جداً، وأن المضي في زيادة أعداد الأعداء واختراع المزيد منهم كلف الولايات المتحدة ثمناً غالياً جداً.
واشنطن ـ محمد صادق

