أخيرا بدأت رياح السلام والاستقرار والمصالحة تهب وبعد طول انتظار على دولتين عربيتين إفريقيتين هامتين وهما السودان والصومال وهو ما يمكن أن ينشر حالة من التفاؤل والغبطة في نفوس العرب على أمل أن يسود الأمن والسلام هذين الجزأين العزيزين في العالم العربي.

والأمر المثير للدهشة والإعجاب أن بشائر السلام والاستقرار في الصومال والسودان تمت في بلدين عربيين وبجهد عربي، فأسس عودة الشرعية في الصومال وما تم الاتفاق عليه تم في جيبوتي والمصالحة التي تمت بين حكومة الخرطوم برئاسة الرئيس عمر حسن البشير وجبهة العدل والمساواة برئاسة خليل إبراهيم جرت في العاصمة القطرية الدوحة بوساطة قطرية وبتكليف من مجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية.

وتأتي تلك الخطوات في وقت واجهت فيه الدولتان العربيتان ومازالتا، خطر التقسيم والتفتيت والتحول إلى دويلات صغيرة بما يمثل تهديدا للأمن العربي، ففي الوقت الذي تتجه فيه دول العالم نحو التكتلات والتحالفات تتجه الدول العربية إلى التشرذم والتفكك والتجزؤ الأمر الذي كان وما زال بمثابة كابوس يزعج الشعوب العربية في كل مكان في العالم العربي.

استعادة الاستقرار المفقود

في البداية، يؤكد سفير الصومال بالقاهرة ومندوبها الدائم بجامعة الدول العربية السفير عبد الله حسن أهمية الخطوات الأخيرة التي تمت والتي من شأنها دفع جهود السلام والمصالحة للأمام تحقيقا لغرض استعادة الاستقرار والأمن المفقودين ، مشيرا إلى ان ما تم يمثل خطوة يمكن أن تشجع الكثير من الأطراف العربية والإقليمية والدولية على التعاطي مع الأزمة الصومال بشيء من الإيجابية والفعالية.

وقال إن التطورات السياسية الأخيرة تضع المجتمع الدولي والدول العربية أمام مسؤولياتها، فهي مطالبة بالتعامل بإيجابية مع الأوضاع في الصومال وخاصة بعد أن أدركت جيدا أن الأحداث السلبية في الصومال لا تنعكس سلبا على الشعب الصومالي فحسب وإنما انعكست أيضا على المجتمع الدولي والإقليمي وهو ما اتضح بجلاء من خلال أزمة القرصنة البحرية القائمة والتي ما كانت لتكون في حال وجود سلطة شرعية قوية وقوات أمن وجيش قادرين على الردع والسيطرة على الأراضي والسواحل والأجواء الصومالية.

وشدد حسن على أن الاستقرار ووجود سلطة قوية جيش وقوات أمن مسيطرة هي الضمانة الوحيدة للقضاء على ظاهرة القرصنة والانفلات القائم، مشيرا إلى ان أساطيل العالم لو تواجدت بالسواحل الصومالية لن تستطيع القضاء على تلك الظاهرة حيث ان القراصنة لا يختبئون بالبحر وإنما يختبئون ويتنقلون في الغابات والأحراش الصومالية التي لا يستطيع كائنا من كان غير الصوماليين السيطرة عليها وبالتالي فالاستقرار والأمن وعودة الهدوء والمصالحة الصومالية يمثل حاجة عالمية وإقليمية وليس وطنية فحسب.

التخلي عن الوعود الكلامية

وطالب سفير الصومال بالقاهرة بألا يكتفي المجتمع الدولي والدول العربية بعبارات التأييد والدعم والمساندة، فالكلام وحده لا يغني ولا يسمن من جوع بل طالب بأن ترفع القوى الكبرى يدها من العبث في أمن واستقرار الصومال وأن يكون تأييدها ودعمها بشكل إيجابي وفوري وملموس.

وانتقد أداء الكثير من الدول العربية تجاه الصومال، مؤكدا أن الكثير منها يكتفي بمجرد الوعود الكلامية وأن كثيرا من وعود الدعم المالي لم تتحقق إلا على صفحات الجرائد فحسب، مشيرا إلى أن الصومال لديه خيرات كثيرة جدا ومجالات هائلة للاستثمار وأنه فقط يحتاج إلى الاستقرار والأمن والاستثمارات العربية لاستغلال الفرص الاستثمارية المتاحة.

ومن جانبه، أكد نائب السفير السوداني بالقاهرة إدريس سليمان على أهمية ما تم في الدوحة من توقيع اتفاق مبادئ بين الحكومة السودانية وحركة العدل والمساواة برئاسة خليل إبراهيم، معتبرا أنه يمثل خطوة على طريق المصالحة الدائمة والشاملة في السودان، مشيرا إلى أن زيارة أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثان للخرطوم ولقاءه مع الرئيس السوداني البشير هما استكمال للجهود العربية والقطرية لتحقيق المصالحة في الصومال.

التئام الشمل الوطني

وأضاف: أن تلك الخطوات من شأنها أن تدعم جهود المصالحة وتشجع باقي الفصائل الصومالية على الانخراط في العملية السلمية بعد أن تجد نفسها وحيدة وتتخلى عن الأطراف الدولية والإقليمية عنها، وترى تلك الأطراف التي انخرطت في العملية السلمية وهي تحصد ثمار ذلك ، مشددا على حرص حكومة الخرطوم في التئام الجميع في عمل وطني واحد وأن السودان قادر على استيعاب أبنائه جميعا.

وتابع: أن استقرار الأوضاع في دارفور من شأنه أن يدفع عجلة الاستثمار في السودان ويقلل من مخاطره التي قد تتسبب في بعض القلاقل للمستثمرين خاصة في ظل الإقبال المتزايد للمستثمرين على الاستثمار في السودان».

ونفي سليمان أن تكون القوات الحكومية قد خرقت اتفاق التفاهم بالدوحة واعتدت على قوات حركة العدل والمساواة ، مشيرا إلى أن بعض الجهات تحاول الترويج لذلك لزعزعة الاستقرار في السودان والتقليل من شأن الاتفاق وآثاره الإيجابية ، مشددا على التزام الخرطوم بأي اتفاق أو تعهد توقعه أو تشارك فيه.

وأشار إلى أن ما تم من مصالحة يصب في المقام الأول في صالح تحقيق الأمن والاستقرار وضمان وحدة الأراضي السودانية ، كما أنه يقلل من حجم التربص الدولي بالسودان وحكومته، منوها إلى أن ما حدث يؤكد قوة موقف النظام السوداني ويدحض المزاعم الغربية بشأن تورط النظام في جرائم حرب في دارفور، فلو أن هذا قائم ما تناست هذه القوى بهذه السرعة هذه الجرائم واتفقت مع الحكومة المركزية في الخرطوم، وهو بالطبع يصب في صالح الموقف القانوني للرئيس البشير في مواجهة مزاعم وادعاءات المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية.

دفع عجلة التنمية

وبدوره، شدد الأستاذ بمعهد الدراسات الإفريقية الدكتور إبراهيم نصر الدين على أن التطورات الأخيرة في كل من الصومال والسودان تصب في مصلحة الاستقرار والأمن والسلام في البلدين وتدفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتعزز فرص الوحدة ولم الشمل وسد الطريق أمام المخططات والأطماع الخارجية للعبث في أمن ووحدة البلدين في إطار زعزعة الأمن العربي ، كما أن هذا من شأنه أن يقوي من شوكة السلطتين الشرعيتين في الدولتين في مواجهة الضغوط الدولية.

وأضاف نصر الدين: أن هناك جهودا عربية مكثفة لرأب الصدع في السودان، أولا حرصا على وحدته، وثانيا لتوفير الحماية من الملاحقة القضائية للرئيس البشير من قبل المحكمة الجنائية الدولية وهو ما يمثل سابقة خطيرة في العالم العربي.

وأشار إلى أن الجهود العربية استهدفت أيضا استعادة الأمن والاستقرار في الصومال في محاولة لمواجهة ظاهرة القرصنة، وأنه من المتوقع أن تشهد التطورات الأخيرة في الصومال زخما وتأييدا دوليا وعربيا لتحقيق الاستقرار في البلاد والقضاء على الانعكاسات السلبية الناتجة عنها خاصة فيما يتعلق بالقرصنة الدولية التي طالت الجميع ولا ينأى منها أحد.

القاهرة ـ «البيان»