تعرّف إسرائيل نفسها بأنها دولة يهودية وديمقراطية، ولاشك أن هذا التعريف له متطلبات، كما أنه ينطوي على مفارقات أو تناقضات.

فكون إسرائيل دولة يهودية تطلب ذلك منها جلب اليهود من كافة أصقاع الدنيا إلى فلسطين، بدعوى انها أرض بلا شعب، أي أنها قامت من الأساس بعملية محو للشعب الأصلي (الفلسطينيين)، من التاريخ، وواصلت محوه فيما بعد من الجغرافيا، عبر الإزاحة من المكان، وإعطاء أسماء ورموز يهودية للأمكنة، وتاريخها، وعبر إحلال المستوطنين اليهود فيها. ولكي تعطي مبرراً لذاتها، أمام اليهود، ادعت إسرائيل بأنها هي الوطن القومي والملاذ الآمن لهم، واعتبرت إنها تمثل اليهود في العالم.

ولما كانت اليهودية ديناً، كغيرها من الأديان، فإن الصهيونية العلمانية جعلت من اليهودية ديناً قومية، على حساب الثقافات والقوميات المتباينة التي يتحدرون منها، وعلى الضد من كل تعريفات الجماعة القومية. وجعلت إسرائيل من ذاتها بمثابة بوتقة صهر لصناعة شعب إسرائيل، بعد أن تمت صناعة أو فبركة دولته!

وحتى تنسجم الصهيونية اليهودية مع نفسها ومع ادعاءاتها، قامت بإجلاء غالبية أهل الأرض الأصليين بوسائل القوة، وأخرجت من تبقى منهم بأرضهم خارج المواطنة الإسرائيلية، أو على هامشها، وضمن مجالات سياسات الأسرلة والسيطرة. وفي هذا الإطار، أي في إطار علمنة اليهودية، أو قومنتها، نشأ التناقض بين الإسرائيليين العلمانيين والمتدينين، الذي يعشعش في المجتمع الإسرائيلي وفي ثقافته، ورموزه، ووعيه لهويته، إلى درجة وصلت حد أن عديد من علماء الاجتماع الإسرائيليين باتوا يتحدثون عن مجتمعين وشعبين، أحدهما علماني وآخر متدين.

وهذا التناقض العلماني ـ الديني، يفتح على تناقض آخر، فإذا كانت اليهودية أو الصهيونية تبرر نفسها باليهودية، أي بالدين وبالأساطير، وتحاول التعبير عن ذلك في السياسة والتشريعات، ونمط العيش، والخطابات والرموز فإن ذلك يضع إسرائيل والإسرائيليين أمام معضلة تمثّل الحداثة، والدخول إلى المستقبل.

أما بالنسبة للديمقراطية، فقد استطاعت إسرائيل أن تبني دولتها ونظامها السياسي وعلاقاتها المجتمعية الداخلية، على قواعد مؤسسية وقانونية وديمقراطية. بل إنها استطاعت أن تأخذ شكلاً أكثر تمثّلاً للديمقراطية، بانتهاج شكل الانتخابات النسبية، أي التي تعتبر إسرائيل كلها دائرة انتخابية واحدة، وتجري فيها الانتخابات على أسس القوائم الحزبية والانتخابية، لا على أسس عائلية أو مناطقية، ما يعزز من الاندماج الاجتماعي فيها. وإذا كانت الديمقراطية الواسعة هذه استطاعت أن تضمن تمثيل مختلف أطراف الطيف الإسرائيلي، وأن تعزز مشاركة الإسرائيليين بالسياسة، فإنها شكلت أيضاً نوعاً من العرقلة لعملية الاستقرار السياسي والاندماج المجتمعي، ذلك أن هذا الشكل أتاح المجال أمام قيام أحزاب على أسس إثنية، أيضاً، كما أنه سمح للأحزاب الصغيرة بابتزاز الأحزاب الكبيرة في قضايا مصيرية.

الأهم من كل ذلك، ومثلما أن علمانية إسرائيل كانت ناقصة، وتتضمن تناقضات، فإن ديمقراطيتها جاءت كذلك أيضاً، فكيف يمكن التسليم بديمقراطية دولة تقوم بإلغاء هوية جزء من مواطنيها (فلسطينيي 48)؟ وكيف يمكن الحديث عن دولة ديمقراطية وهي تحتل أراضي الآخرين وتسيطر على شعب آخر بوسائل القوة؟ وفوق ذلك فكيف لدولة أن تدعي الديمقراطية وهي تعتبر نفسها دولة يهودية، في الوقت ذاته؟ فهل تستقيم الديمقراطية والعنصرية، وهل تستقيم الدولة الدينية، اليهودية مع العلمانية والحداثة؟ وهل تستقيم الديمقراطية والحداثة مع الروح الاستعمارية والحربية التي تعشعش في المجتمع الإسرائيلي، بسبب هيمنة الثقافة الصهيونية والأحزاب اليمينية المتطرفة عليه؟