مع اقتراب تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة برئاسة زعيم حزب الليكود الصهيوني اليميني المتطرف بنيامين نتانياهو، تدخل مسيرة التسوية السلمية نفقا اخر من أنفاق استهلاك الوقت، واستنزاف جهود النخبة الفلسطينية فيما لا طائل من ورائه. وتبديد الطاقات العربية وراء سراب السلام المخادع، وتكريس فورة المبادرة العربية للسلام لتصفية القضية الفلسطينية، بما يحقق مصالح إسرائيل العليا وهيمنتها باسم التطبيع الشامل وتقزيم الحقوق العربية في مجرد وعود بدولة منزوعة السلاح، والسيادة وشطب حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم.
وتبدو الأمور وكأنها تسير باتجاه إعادة إنتاج سيناريو(الضحك الصهيو أميركي على ذقون العرب) والذي سبق لنتانياهو أن شارك في تنفيذه إبان رئاسته للحكومة في منتصف تسعينات القرن الماضي. بحديثه العنصري عن( مكان تحت الشمس) لإسرائيل الكبرى التي لا تعترف أصلا بوجود شعب فلسطيني، ناهيك عن حقه في أرضه المغتصبة.
هذه المرة، يبدو المشهد اشد قتامة، عربيا ودوليا، فرغم أن مجيء نتانياهو وحكومته اليمنية يعكس عمق الأزمة التي تعيشها إسرائيل، المتأرجحة مابين يمين متشدد وآخر اشد عنصرية. الا ان الحالة الفلسطينية لن تستفيد من هكذا وضع لان هناك انقساما فلسطينيا، لا يقف عند حد حكومة حركة حماس الإسلامية في غزة وسلطة حركة فتح في رام الله، بل يتعداها الى خلاف على الاستراتيجية الوطنية للتحرير سواء بالتفاوض او بالمقاومة او الدمج بينهما معا.
ويزيد من قتامة المشهد، الانقسام العربي بين دول تتماهى في دور( الممانع) للأجندة الأميركية الإسرائيلية، دون امتلاك أدوات تحولها من خطاب إنشائي إلى فعل على الأرض، ودول غارقة في وهم التبعية او الشراكة على امل جني ثمار السلام في حين ان شجرة العدو لن تنضج على فروعها سوى ثمار الخراب والعدوان الآتي. على الضفة الدولية، يتصدر المشهد أطياف وعود وتفاؤل بقدرة إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما على تحقيق نقلة نوعية وتحريك قطار التسوية المعطل على (خارطة الطريق) الأميركية التي التهمت قرابة سبعة اعوام من عمر ( سيزيف) الفلسطيني المفاوض في متاهة( الصهيوني المرابي) دون ان تقطع ارضا أو تبقى ظهرا لنا.
والحاصل ان اوباما الواعد يجيء وعلى كاهله ميراث سلفه جورج بوش صاحب وعد لم ير النور بقيام دولة فلسطينية في عام 2005 ، وفقا لخارطة طريق فتحت أنفاقا للمراوغة والتضليل الإسرائيلي بقدر ما أغلقت مسالك متاحة لتحقيق السلام وفقا للشرعية الدولية المنكسرة الجناح. بل انها مهدت الأرض لتوسيع حركة الاستيطان الصهيوني وقضم الأراضي الفلسطينية، وشجعت غلاة الصهاينة على انتهاك حرمة المسجد الأقصى والتنقيب حوله وداخله وأسفله وتهديد وجوده، بموازاة تهويد القدس.
وجوهر فساد خارطة الطريق الأميركية يكمن في أساسها الذي صيغ بطريقة وضع العربة أمام الحصان، ولصالح إسرائيل، وجعل لمطالبها الأمنية الأولوية على حق الفلسطينيين في استعادة أرضهم المحتلة منذ عام 1967 . وفرض على السلطة الفلسطينية دور ضرب المقاومة واقتلاع جذورها، ووقف أي حديث إعلامي وحذف أي منهج تعليمي يذكر باغتصاب إسرائيل لأرض فلسطين.
بهذه الصياغة المعيبة وقلبها لمنطق الأمور، أصبحت خريطة الطريق وأشقاؤها من(تقرير السيناتور جورج ميتشيل) مبعوث أوباما الحالي، قنبلة موقوتة في طريق أي محاولة لتحقيق السلام، ولغما انفجر في وجه النخبة الفلسطينية التي سارع قسم منها إلى تنفيذ الاستحقاقات الأمنية الإسرائيلية قبل ان يضمن الحصول على الحد الأدنى من الحقوق المشروعة، وهذا يفسر أساسا معضلة المشهد الراهن في غزة ورام الله. الخلاصة، إننا على شفا جولة جديدة من المتاهة التفاوضية بين (سيزيف) الفلسطيني حامل صخرة المطالبة بحقه، والصهيوني المرابي الذي لا يرضى سوى تقطيع لحم جسد خصمه.
