مأساة شعب فلسطين وبالتحديد معاناة أهل غزة، ليست غائبة عن ضمائر كثيرين في الغرب. صحيح أن كفة إسرائيل إعلاميا وسياسيا راجحة في معظم الدول الغربية وخاصة في الولايات المتحدة، ولكن في عواصم أوروبية عديدة شخصيات وعناصر ومؤسسات مستقلة متحررة من الضغوط أو التشويش، ولا تتأثر بحملات التضليل التي تنال من القضية الفلسطينية لصالح إسرائيل.

هناك من يدافعون عن حقوقنا نيابة عنا بنزاهة وشرف وشفافية بلا أي مقابل ودون أن نلجأ إليهم أو أن يكون لنا أي دور في دفعهم للتحدث باسمنا. الأكثر من ذلك أن منهم وكأنه لسان حال أصحاب القضية يتحمس في الدفاع عنها إلى درجة أنه لا يبالي بعواقب موقفه. خير مثال ، ما حدث ويحدث في الجامعات البريطانية. 21 جامعة على رأسها جامعات كمبريدج، لندن، مانشستر، جلاسجو، أطلق طلابها انتفاضة من أجل غزة قادها آلاف الدارسين.

في البداية استطاع العشرات منهم من خلال «المدونات»الالكترونية وموقع «فيسبوك»الشهير وأيضا الرسائل النصية الهاتفية، أن يحشدوا الآلاف من زملائهم. واعتصم العديد منهم وأعلنوا الإضراب واحتلوا عشرات المباني الجامعية، إلى درجة أن العشرات احتلوا احد مباني جامعة مانشستر لمدة تسعة ايام متواصلة، ولم ينه بعض الطلبة في جامعة لندن احتلالهم لأحد مبانيها إلا بعد أن وافقت الإدارة على تقديم منح دراسية لفلسطينيين.

الأمر لم يكن فقط بهدف المنح الدراسية، وإنما انتفاضة طلبة بريطانيا استهدفت إسرائيل بوجهها القبيح. طلاب الجامعات إلى جانب منظمات بريطانية أخرى أطلقوا أيضا حملة لوقف تصدير السلاح البريطاني إلى إسرائيل. واتهموا الحكومة البريطانية بالنفاق السياسي والاشتراك في جرائم الحرب الإسرائيلية على غزة بتوفيرها السلاح للدولة العبرية، ومعلوم أن بريطانيا ثاني اكبر مصدر للسلاح لإسرائيل بعد الولايات المتحدة. والمثير أن ناشطا يهوديا معروفا يدعى بول كولينز، قاد خلال العدوان على غزة حملة «أوقفوا تسليح إسرائيل»، واتهم حكومة غوردون براون بالنفاق، لأنها نددت بصواريخ المقاومة الفلسطينية، ولم تندد باستخدام إسرائيل الفوسفور الأبيض المحرم دوليا ضد المدنيين.

لا يمكن أيضا إغفال النشطاء الغربيين في العديد من العواصم الأوروبية الذين يتنافسون للذهاب إلى غزة لكسر الحصار المفروض عليها دون مبالاة بالمخاطر التي يمكن أن تواجههم. سفن وقوافل غربية تصر على اختراق الحصار، وآخرها قافلة «فيفا بالستينا» أو «تحيا فلسطين» التي ضمت مئة شاحنة انطلقت من العاصمة البريطانية لندن، تضم سيارة إطفاء تبرعت بها نقابة عمال الإطفاء البريطانية وسيارات إسعاف من تبرعات عمال نقابة الصحة.

القافلة يقودها النائب البريطاني المعروف جورج جالوي. والمشاركون فيها يقطعون مسافة 8 آلاف كيلومتر مروراً بفرنسا واسبانيا والمغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر ليصلوا إلى معبر رفح في الخامس من مارس المقبل. لا يمكن القول إذن، بأن الساحة الغربية حكرا على من يدعمون ويتعاطفون مع إسرائيل. هناك من يساندون الفلسطينيين معنويا وماديا بلا أي مقابل، وهؤلاء يتمتعون بمصداقية عالية لأنهم يتحركون بوازع من ضمائرهم ولا مصلحة لهم سوى الدفاع عن أصحاب الحقوق المغتصبة، ولم يطلبوا مساندة عربية أو إسلامية لدعم جهودهم. ولم نسمع عن جهة شعبية عربية أو إسلامية ساعدت مثل هؤلاء الشرفاء من أبناء الغرب.

لا نملك سوى أن نقول لهؤلاء الغرباء ممن يشاطرون أخواننا الفلسطينيين مأساتهم ومحنتهم: «سعيكم مشكور»، ولا عزاء للمتخاذلين من العرب والمسلمين الذين بإمكانهم أن يرفعوا البلاء عن غزة، ولكنهم صم بكم، يرون ويكتفون بالفرجة على فصول محنة شعب. وبسكوتهم عليها، صاروا مشاركين في صنعها.

moc.liamg@rebassah