قبل أيام دعا علي لاريجاني رئيس مجلس الشورى الإيراني الولايات المتحدة الأميركية إلى لعب الشطرنج مع إيران بدلاً من الملاكمة. ومن قبله شبه سعيد جليلي أمين مجلس الأمن القومي الإيراني وكبير المفاوضين في الملف النووي المفاوضات التي بين بلاده والغرب، بأنها عملية تشبه صناعة سجادة إيرانية، حيث يحصل الطرفان في النهاية على سجادة جميلة الصنع والشكل.
بين شطرنج لاريجاني وسجادة جليلي، ثمانية أشهر، لكن المنطق لم يتغير بمرور الزمن. الدعوتان تنبعان من استراتيجية ثابتة، فكلاهما تعامل مع الغرب مفاوضاً في الملف النووي، وكلاهما استخدم مصطلحات إيرانية الثقافة والمحتوى، وعادة ما يميل المصطلح إلى أهله، لأنه يستمد قوته من تفسيره الثقافي. فالشطرنج لعبة فارسية المنشأ، وكذلك قوانينه. وصناعة السجاد، فارسية تاريخاً وفناً. وكلما كانت السجادة محلية الخامة والهوية، كلما كانت أثمن وأجمل. وهذا ما يميز السجاد الإيراني عالمياً.
وهكذا تعمد الرجلان دعوة الولايات المتحدة للعب مع إيران وفق القوانين والقواعد الإيرانية، وليس وفق قواعد الكاوبوي أو الملاكمة التي تعتمد على القوة الهوجاء أولاً وأخيراً. فالشطرنج وصناعة السجاد كل منهما يحتاج إلى صبر ومهارة، وعادة ما يكون الفوز للأكثر صبراً. وهذه السياسة تتقنها إيران ونجحت فيها بامتياز مع واشنطن بوش، ويبدو أنها مرشحة لمزيد من الصقل مع واشنطن أوباما.
والملاحظ أن تصريحات كل من لاريجاني وجليلي صدرت في أعقاب تقارب متبادل بين إيران والولايات المتحدة. سعيد جليلى تحدث عن السجادة في شهر يوليو الماضي خلال مباحثات جنيف التي شاركت فيها واشنطن لأول مرة إلى جانب أوروبا، في مؤشر على بداية التفاهم المشترك. كما صدرت تصريحات لاريجاني يوم السبت قبل الماضي، أي بعد أربعة أيام من تصريحات الرئيس الأميركي باراك أوباما عن رغبة بلاده في التطلع إلى حوار مباشر مع إيران، بما يسمح بالتحرك نحو سياسات جديدة بين البلدين.
وتنم تلك التصريحات من الطرفين عن استعداد للتعامل وفق أسس جديدة مغايرة للنهج السابق، فكل منهما يحاول الاستفادة من المتغيرات التي تطرأ على الآخر، فالولايات المتحدة تريد تقوية المعتدلين في إيران على حساب المحافظين، خاصة مع إعلان الرئيس السابق محمد خاتمي أنه سوف يرشح نفسه للانتخابات الرئاسية المقبلة، بعدما تأكدت من عدم جدوى الحل العسكري للملف النووي. وهذا نجاح إيراني في توزيع الأدوار.
وإيران تريد استغلال المصاعب الأميركية في أفغانستان، وتلك تتعارض مع خطط أوباما تجاه كابول. وقد تعرضت السياسة الأميركية في آسيا الوسطى لضربة كبرى بعد إغلاق قيرغيزيا لقاعدة ماناس العسكرية التي كانت المنفذ الرئيسي لتزويد قواتها في أفغانستان بالإمدادات اللوجستية والمساندة العسكرية. بالإضافة إلى ذلك فان واشنطن تحتاج إلى المساندة الإيرانية ضد طالبان عدوهما المشترك. كل ذلك من دون إغفال دور الأزمة الاقتصادية في تهذيب السلوك السياسي الأميركي.
وهكذا فان الأيام المقبلة حبلى بتقارب إيراني أميركي تحكمه مصالح الطرفين فقط. وهو ما يجب أن يتحسب له العرب، فمن غير المستبعد أن تكون أرضهم هي رقعة الشطرنج بين اللاعبين، لتأتي السجادة الجميلة فتغطي الرقعة، من دون ان يرى العرب من هذه السجادة إلا ظهرها الممتلئ ببقايا الخيوط المنتوفة المهملة.
