تبذل حالياً جهود جبارة رسمية وأهلية في قطاع غزة في محاولات جادة وحثيثة لعلاج الآثار التدميرية التي خلفتها الحرب على سكان القطاع المدنيين والعزل بعدما خلفت الحرب خسائر في الأرواح ودمارا هائلا في الممتلكات.
وكشف الدكتور اياد السراج مدير برنامج غزة للصحة النفسية إن نحو نصف أطفال قطاع غزة بحاجة لعلاج نفسي جراء الصدمات التي تعرضوا لها خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة. ويضيف إن العدوان الإسرائيلي أثر بشكل عام على جميع الفلسطينيين، من خوف وعدم القدرة على حماية نفسه بفعل القصف العنيف الذي تعرض له القطاع على مدار 22 يوماً من قبل الطائرات الحربية الإسرائيلية. ويوضح بأن أكثر الأعراض التي ظهرت على المواطنين سيما الأطفال منهم هي الخوف والقلق وفقدان الشهية للطعام، وعدم القدرة على النوم، والقفز من النوم بشكل مفاجئ، والتبول اللاارادي، وقلة التركيز. ويحمل الدكتور السراج إسرائيل المسؤولية الكاملة عن خروج جيل بأكمله يكن الكره والبغض لإسرائيل بفعل ممارساتها.
عروض ترفيهية
وأمام هذه الكارثة تقوم هذه الأيام منظمات حكومية وأهلية بجهود تطوعية للإغاثة السريعة ومنها جمعية (عطاء غزة) حيث شرعت في الأسبوع الأول من فبراير الجاري وبالتعاون مع وزارة التربية والتعليم في القطاع بتنفيذ فعاليات وعروض ترفيهية وثقافية داخل مدارس المرحلة الابتدائية بمنطقة غزة، وذلك من خلال فرقة الدمى الخاصة بالجمعية (عائلة ماما كريمة).
ويقول رافع حسين، منسق مشاريع (عطاء غزة): الحملة عبارة عن سلسلة لقاءات ترفيهية تربوية هادفة، تنفذها شخصيات محببة لدى الأطفال، وهي (عائلة ماما كريمة) المكونة من أربع شخصيات، تعمل على التخفيف من الضغط النفسي من خلال العمل الترفيهي وتشجيع الأطفال على القراءة وزيارة المكتبات، والتأكيد على ضرورة اتباع العادات السلوكية السليمة، والتأكيد على التراث الفلسطيني.
اما المدارس الحكومية والانروا فقد خصصت الأسبوع الأول من ابدء الدوام المدرسي للتفريع النفسي للأطفال فكان اليوم الأول عبارة عن سلوكيات حرة بترك التلاميذ يصرخون ويتكلمون بصوت عال لتفريغ ما لديهم من انفعالات، واليوم الثاني خصص لسرد القصص والحكايات التي عايشها الطلاب على ارض غزة حول الحرب والدماء والقتل واسعاف المصابين وتشييع جنازات الشهداء والاشتباكات مع قوات الاحتلال.. الخ. اما اليوم الثالث فخصص للرسم واليوم الرابع خصص للتمثيل والمسرحيات وتقليد الأصوات.
وفي اليوم الخامس اهتموا بالعمل الجماعي للتلاميذ داخل المدرسة. وفى بعض الأحيان نقل المعلمون تلاميذهم إلى مواقع الاحداث خاصة التدمير كالمساجد وحي الزيتون وتل الإسلام التي دمرها جيش الاحتلال. وأطلق أطباء متخصصون في العلاج النفسي في القطاع مبادرات شخصية واخرى بالتنسيق مع منظمات صحية برامج سريعة وواسعة لعلاج المتضررين نفسيا وعصبيا من الحرب.
اضطرابات سلوكية
ويقول الدكتور عايش سمور مدير مشفى الإمراض النفسية والعصبية بغزة ؟ وهى الوحيدة المتخصصة في القطاع- لاحظنا وجود نسبة عالية من اضطرابات الأطفال السلوكية والتي تشير الى إصابتهم بأمراض عصبية ونفسية جراء العدوان والحرب ويضيف نتابع الآن عبر طواقم متخصصة حالات باتت معروفة للشارع الغزي. وقد أصيب أصحابها بأمراض مركبة جعلتهم في حالة تشرد او صدمه بسبب ما تعرضوا له وما شاهدوه وعايشوه ومما حدث لأسرهم من قتل او إصابات او تشريد وما لحق بممتلكاتهم من دمار رهيب.
وحتى الان فان مئات الحالات سجلت وجود الاضطرابات النفسية لأسر بأكملها نتيجة استشهاد احد افرادها او دمار منازلهم وهلاك ممتلكاتهم او بفعل مشاهداتهم وتجربتهم ومعايشتهم للحرب ودمارها، ومن ذلك مثلا مشاهدة أسرة بام العين حالة تطاير أشلاء جثتي طفليها الشهيدين عبد الله وشروق ناجي حسنين اللذين استشهدا على مرأى من ابن عمهما صبحي (9 سنوات) إثر انفجار جسم مشبوه خلفته قوات الاحتلال الإسرائيلي في منطقة الشعف شرق مدينة غزة، في العشرين من الشهر الماضي، والطفل صبحي تطايرت أشلاء ابن عمه أمام عينه، وفقد القدرة على فهم ما يجري حوله.
ويقول الوالد نبيل إن ابني أصبح بحالة غير طبيعية بعد رؤيته لأشلاء ابن عمه المرتبط به بعلاقة قوية، فأصبح يستيقظ من نومه ليلاً لينادي على عبد الله ويستذكر صورته وهو مقطع الأجزاء فيما كان أقاربه يلملمونه فور استشهاده. ويضيف أنه بدأ بسبب نفسية ابنه بالغة الصعوبة وخوفه من النوم وحده في الليل، أن ينكر له مارآه من أشلاء بشرية، وإنما كانت لمعزة أو خروف نفقت في المنطقة، وذلك حتى لا يتأذى أكثر من منظر استشهاد ابن عمه، ولينسى ما حدث له. وينوه الأب انه يقوم بمساعدة أخصائيين نفسيين بمحاولة تغيير أجواء الحرب على ابنه، ولكن الذعر والخوف لا ينتهي في حياة الطفل، خاصةً أن الأوضاع بشكل عام في قطاع غزة مازالت صعبة، ولا توجد بالأصل أماكن ترفيهية يمكن تنشيط الأطفال فيها.
مساعدات تربوية
بدوره يطالب سائد السرساوي الأخصائي النفسي في برنامج حماية الطفولة في المركز الفلسطيني لحل النزاعات المجتمعية جميع المؤسسات المعنية لتخطو خطوات جدية لتقديم مساعدات تربوية ونفسية للأطفال تحاول من خلالها تحريرهم من كافة المشاهد والمخاوف التي تعرضوا لها ودعمهم نفسياً. وينوه إلى أن حالات الأطفال التي استقبلها الهاتف المجاني الذي أنشأه المركز خلال أيام العدوان، فهي تظهر أن 288 حالة من سن 3 سنوات إلى سن 17 سنة من كافة المناطق في قطاع غزة خاصةً الشمال وغزة، تعرضت لضغوطات نفسية وأمراض عدة.
ويذكر، أن من بين الحالات 7 حالات صدمة نفسية وشعور بالفقدان نتيجة لفقدان أحد المقربين كالوالدين أو الأقارب، و70 حالة كوابيس ليلية وهلع، و52 حالة تبول لاإرادي، و36 حالة استغاثة وحماية وحالات عدة عانت من صعوبة في النطق وفقدان للشهية. وينوه السرساوي، إلى أنه كان هناك ارتفاع بارز وملحوظ في أعداد الحالات في فترة الحرب، خاصةً في ظل غياب مفهوم القلق الواعي، والذي يعني عدم قدرة الأطفال على التفكير في أسباب ما يحدث واستيعاب ما يجرب من حولهم من أحداث، مما أحدث اختلافاً عن الحالات العادية في العالم.
صدمات الحرب
ومن جهته، يؤكد الأخصائي النفسي في برنامج الصحة النفسية أسامه فرينه انه يجوب عشرات الأخصائيين النفسيين مدارس ورياض الأطفال في كافة أرجاء قطاع غزة للتخفيف من حدة الآثار النفسية الناجمة عن صدمات الحرب، حيث يقومون بتفريغ الانفعالات الناشئة جراء ردة الفعل عند الأطفال نتيجة ما رأوه أو شاهدوه أو سمعوا عنه خلال جلساتهم مع الكبار. ومازالت حالات القلق والاضطراب والخوف تنتاب الاف المواطنين، خاصة من سكان المناطق القريبة من حدود قطاع غزة سواء الشمالية او الجنوبية من معاودة قوات الاحتلال عدوانها.
ويقول الأخصائي النفسي في برنامج غزة للصحة النفسية الدكتور سمير زقوت إن عشرات الأمهات من مدن غزة المختلفة راجعن البرنامج بحثا عن حلول لمشكلات أبنائهن السلوكية التي نجمت عن العدوان الإسرائيلي الشرس ضد غزة، فضلا عن كثير من الاتصالات الهاتفية من الأهالي يسألون عن كيفية تهدئة أطفالهم، وبث الطمأنينة في نفوسهم.
ويحدد زقوت السلوكيات السلبية الأبرز التي يعاني منها أطفال غزة جراء الحرب لتي تشنها قوات الاحتلال الإسرائيلي، وهي الاضطراب وعدم القدرة على النوم، والقلق خلال النوم، والتبول اللاإرادي، والخوف الشديد. ويقول إن تأثر الأطفال بأحداث العنف التي تدور من حولهم تختلف من طفل إلى آخر، ومنهم من تسيطر عليهم السلوكيات وتتحول إلى أمراض نفسية وتعيش معهم لسنوات طويلة، متسائلا: كيف لأطفال غزة أن ينسوا مشاهد القتل والدمار في المستشفيات والمنازل والمساجد.
غزة ـ ماهر إبراهيم
