أولت الإدارة الأميركية اهتماماً كبيراً بنتيجة الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية، وبالعملية الجارية لتشكيل حكومة، المتوقع أن تستغرق بضعة أسابيع، والمرجح أن تكون برئاسة بنيامين نتانياهو زعيم حزب ليكود اليميني. الاهتمام الأميركي عائد إلى التأثير الممكن لنتيجة الانتخابات والحكومة الإسرائيلية الجديدة، على عملية المراجعة الجارية حالياً للسياسة الخارجية الأميركية، لبلورة ووضع سياسة الإدارة الجديدة لمعالجة قضايا المنطقة.

وفي مقدمتها الصراع العربي ـ الإسرائيلي، انطلاقاً من نهج جديد أعلن الرئيس باراك أوباما انه يقوم على «التزام الولايات المتحدة القوي بالانخراط والمشاركة الفعالة عبر دبلوماسية نشطة وقوية» لإحلال السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وبين إسرائيل والدول العربية». كما يعود الاهتمام الأميركي أيضاً إلى مخاوف الإدارة من آثارها السلبية المحتملة على عملية وجهود إحلال السلام في المنطقة. حيث تأمل إدارة أوباما ان تنجح جهودها المقبلة في تحقيقه.

أجندة حافلة

بعد فوز الأحزاب والقوى السياسية اليمينية المتطرفة والشوفينية والعنصرية، التزمت إدارة الرئيس أوباما موقفاً رسمياً علنياً وحيادياً تمثل في الترحيب بنتيجة الانتخابات، والإشادة بالعملية الديمقراطية في إسرائيل. وفي القول: إن الإدارة تنتظر تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة، وفي الإعلان: «إن الإدارة ستعمل مع أية حكومة سيتم تشكيلها» كما قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية الذي قال أيضاً «إن الإدارة لديها أجندة قوية وحافلة، عازمة العمل عليها مع الحكومة الجديدة فور تشكيل القيادة الإسرائيلية».

مؤكداً أن نتيجة الانتخابات لن تؤثر على الجولة الثانية المقرر أن يقوم بها المبعوث الرئاسي جورج ميتشيل للمنطقة قبل نهاية هذا الشهر. وتمثل الموقف الرسمي الأميركي من الانتخابات أيضاً في الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس أوباما، مع نظيره الإسرائيلي، شمعون بيريز، بعد يوم من الانتخابات مهنئاً ومشيداً بالديمقراطية «القوية» في إسرائيل. حيث قال المتحدث باسم البيت الأبيض «إن الرئيس أوباما يتطلع قدماً للعمل مع رئيس الوزراء «الإسرائيلي» الجديد والحليف لإسرائيل، وحتى تتم تسمية رئيس الوزراء الجديد فإنه ليس واضحاً ما تعنيه نتائج الانتخابات بالنسبة لعملية السلام في الشرق الأوسط».

ورداً على أن الانطباع السائد في واشنطن نتيجة الانتخابات هو انها عكست توجه إسرائيل نحو اليمين والتشدد، وهذا سيؤثر سلباً على التحرك قدماً نحو السلام، إن لم يؤد إلى الشلل في العملية السلمية لم ينف المتحدث باسم البيت الأبيض ذلك، وقال: «إن الرئيس أوباما يتطلع للعمل قدماً، مع أي كان رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد، للبحث عن سلام حقيقي ودائم في المنطقة.. وحتى نرى شيئاً محدداً من الصعب الحديث عن أشياء محددة، باستثناء التذكير بما قاله الرئيس أوباما مراراً، وهو أنه تواق للعمل مع إسرائيل، والآخرين في المنطقة، لصنع سلام حقيقي».

الاستياء الأميركي

لكن، وبغض النظر عن الموقف الرسمي المعلن للإدارة الأميركية، عبر أكثر من مسؤول فيها «عن الأسف، بل الاستياء حيناً» من فوز الأحزاب والقوى السياسية اليمينية والقومية المتشددة. وقال هؤلاء المسؤولون الذين كانوا لاعبين أساسيين في إدارات سابقة «إن لديهم ذكريات صعبة وطويلة مع نتانياهو، المرجح أن يرأس الحكومة الجديدة، عندما كان رئيساً للحكومة الإسرائيلية في الفترة بين عامي 1996 ـ 1999، ولا يخفي هؤلاء المسؤولون سراً بقولهم «إن الولايات المتحدة، تفضل وتريد التعامل مع تسيبي ليفني، حيث ثبت بان التعامل معها سيكون أسهل منه مع نتانياهو، وذلك من التجربة معها كوزيرة للخارجية الإسرائيلية رعت المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، منذ انطلقت من مؤتمر انابوليس. في أواخر عام 2007، مع أن تلك المفاوضات لم تنجح»!.

ولا يخفي مسؤولون في الإدارة قلقهم من الصعوبات والمشاكل التي ستواجهها الإدارة أثناء تعاملها مع نتانياهو، والحكومة التي سيشكلها، نظراً لمواقفه المعلنة من قضايا أساسية مثل: المستوطنات التي يؤيد الاستمرار في توسيعها وإقامة الجديد منها، ورفضه للمفاوضات مع الفلسطينيين التي قال إنها «مضيعة للوقت» ورفضه لحل الدولتين، ورفضه لتقسيم القوس، وتركيزه مقابل ذلك على مواجهة الأخطار التي تهدد إسرائيل من «حماس» و«حزب الله» وإيران.

ومع ذلك، لا يجد مسؤولو الإدارة مفراً من الإعراب عن الأمل في أن تكون الحكومة الإسرائيلية الجديدة «ملتزمة فعلاً وحقاً العمل للتوصل إلى السلام مع الفلسطينيين» والأمل بأن يكون نتانياهو «قد كبر ونضج خلال السنوات الماضية وتعلم منها الدروس. وأن العودة إلى المفاوضات مع الفلسطينيين هي الخيار الوحيد». ولكن الشيء المشترك في كل ما صدر عن مسؤولين في الإدارة: إنه ما من أحد منهم دافع عن نتيجة الانتخابات. وإن هناك شعوراً «بالخيبة والإحباط» من النتيجة وما سيترتب عليها من آثار. لا يستطيعون الحديث عنه علنا.

انتكاسة كبرى

في مقابل ذلك، يجمع المحللون والمراقبون السياسيون في واشنطن، على أن نتيجة الانتخابات الإسرائيلية، كانت انتكاسة كبرى للإدارة الأميركية وتوجهها الجديد. وإن الحكومة الإسرائيلية الجديدة، سواء كانت برئاسة نتانياهو، أو ليفني، ستزيد من تعقيد إنجاز المهمة التي يسعى الرئيس أوباما لتحقيقها وهي إحلال السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وإقامة دولة فلسطينية، باتت فكرتها وإمكانية إقامتها تتلاشى وتخبو بسرعة، وكذلك تحقيق السلام بين إسرائيل والدول العربية.

ويؤكدون تشاؤمهم من نتيجة الانتخابات وما سيترتب عليها، بالإشارة إلى أن جميع الأحزاب والقوى السياسية التي خاضت الانتخابات خاضتها دون برنامج للسلام، أو حتى الإشارة إلى السلام، وانما خاضتها اعتماداً على برنامج للحرب والمواجهة. بل برامج عنصرية أحياناً مثل برنامج زعيم حزب «إسرائيل بيتنا» افيغدور ليبرمان المهاجر من مولدافيا السوفييتية سابقاً إلى فلسطين، الذي يخير الفلسطينيين بين الترحيل والطرد أو القسم على الولاء لإسرائيل.. وكذلك الإشارة، إلى أن تذرعت إسرائيل بأنه لا يوجد طرف فلسطيني قوي قادر على خوض المفاوضات، تذرع زائف، فقد أثبتت الانتخابات الإسرائيلية أن إسرائيل منقسمة مثل الفلسطينيين. وليس لديها قيادة قوية على خوض المفاوضات.

ويرى خبراء ومحللون في واشنطن أن الإدارة في موقف صعب، فالتغيير الذي ينشده ويعمل الرئيس أوباما لتحقيقه، يقابله تغيير معاكس، أسفرت عنه الانتخابات الإسرائيلية. فبينما يسعى أوباما لاتباع نهج قوي لإحلال السلام، يعلن نتانياهو عزمه على القطيعة مع الاتفاقات التي تمت في السابق مع الفلسطينيين، ورفضه لفكرة الدولة الفلسطينية.. ولذلك، فان احتمالات حدوث اختراق على جبهة المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين تبدو ضئيلة جداً، وقاتمة، فحتى لو شكلت ليفني الحكومة الإسرائيلية، وهو احتمال ضعيف جداً، فان تأييدها لحل الدولتين، لن يقبله التحالف اليميني الذي سيشاركها في الحكومة، خصوصاً اليميني المتطرف ليبرمان. ومن هنا، فان الوضع سيشهد حالة من الشلل غير معروف كم ستطول.

حرب قادمة

وفي سياق التقييم المتشائم لنتيجة الانتخابات، يرى آرون ميلر الذي لعب دوراً مهماً في مفاوضات السلام في عهد إدارة الرئيس السابق بيل كلينتون أن نتيجة الانتخابات «أغلقت الباب أمام أي تحرك نحو السلام لقرابة عام من الآن». ويعتقد أنه «حتى لو تم تشكيل وحدة وطنية إسرائيلية، فان نتيجة واحدة محتملة وهي عدم اتفاقها على تحريك مفاوضات السلام، يقابله اجماع على الهجمات العسكرية. ضد «حماس» و«حزب الله». ويرجح ميلر «أن تأتي حكومة إسرائيلية جيدة في صنع الحرب، وليس في صنع السلام، وانها ستخلق صداعاً قوياً لإدارة أوباما».

ويرى كثيرون ان الحكومة الإسرائيلية الجديدة في أحسن الاحتمالات «ستكون ضعيفة مهزوزة، مترددة وغير فعالة». وفي التقييم المتشائم لنتيجة الانتخابات يجمع كثير من المحللين والخبراء ومعهم مسؤولون في الإدارة على أن الحكومة الإسرائيلية الجديدة. «ستكون عبئاً على الرئيس أوباماً وإدارته وسياساتها تجاه المنطقة، ومؤشراً جديداً على تلاشي حل الدولتين والأمل في إقامة دولة فلسطينية.

وان جواً من الغموض وتوقع المصاعب والمشاكل في المستقبل بين الإدارة والحكومة الإسرائيلية، وان عملية المراجعة الجارية للسياسة الأميركية في المنطقة حالياً، قد تعقدت بدورها أيضاً. وحتى لو جرى تقارب بين الإدارة والحكومة الإسرائيلية، سيبرز التساؤل عن مدى هذا التقارب وأثره على اضعاف مبادرات الرئيس أوباما المرتقبة للحوار مع إيران وسوريا، وأثره أيضاً على العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل.

ولا يستبعد بعض المحللين والخبراء، احتمال حصول مواجهة بين إدارة أوباما، والحكومة الإسرائيلية الجديدة. إذا لم تنسجم سياساتها مع آمال الإدارة في التعاون والعمل من أجل إحلال السلام. ويرون احتمال أن تؤدي المواجهة إلى ضربة لمساعي أوباما ومبعوثه جورج ميتشيل للمنطقة. وللسلام عموماً.

موقف أوباما

ومع هذا الإجماع على التشاؤم، وعلى عدم توقع تحرك نحو تقدم حقيقي للسلام في المنطقة، يرى عدد قليل من المحللين وقليل جداً من مسؤولي الإدارة، «ان الإغراق في التشاؤم مبالغ فيه كثيراً. ومن غير المتوقع أن يقدم أوباما على أفعال تؤثر أو تشكل خطراً على الدعم الأميركي لإسرائيل، وانه سيبذل الجهود لإقامة صداقة قوية مع الرئيس أوباما» ويذكر هؤلاء، ان «نتانياهو، وقع على اتفاقات مع الفلسطينيين تحت رعاية إدارة الرئيس السابق كلينتون. وان لم ينفذ الكثير مما نصت عليه».

ويعتقد ميلر وهو يهودي أميركي كما سبقت الإشارة، شارك في عملية ومفاوضات السلام خلال تسعينات القرن الماضي «إن المتوقع بعد تشكيل الحكومة الإسرائيلية، لا يعتمد عليها بشكل رئيسي، وإنما على عزم وتصميم إدارة أوباما، الذي سيكون له الدور الحاسم والمؤثر على عملية السلام، وأن أوباما قد أعلن انه يريد للولايات المتحدة أن تلعب دور الوسيط النزيه بين الفلسطينيين والإسرائيليين وليس دوراً مستمراً ومتواصلاً، إلا من فقرات انقطاع قصيرة جداً. وقد أدى هذا الدور الأميركي، إلى شعور آخذ في النمو والازدياد لدى الشعب الأميركي في التغير والتحول نحو النظرة والاعتقاد القائل ان تحالف الولايات المتحدة مع إسرائيل، يجب الا يُسمح له بان يتحول ليصبح عائقاً أمام سعي الولايات المتحدة من أجل مصالحها الأوسع في منطقة الشرق الأوسط.

غزة أولاً

وفي عملية التقييم لنتيجة الانتخابات وتشكيل الحكومة الإسرائيلية وهي عملية تأخذ حيزاً كبيراً من الاهتمامات الكبيرة والكثيرة التي تشهدها واشنطن، وأولها الاهتمام بالأزمة الاقتصادية». يعتقد دانيال كيرتزر وهو يهودي أميركي أيضاً، عمل سفيراً للولايات المتحدة في إسرائيل وعدد من الدول العربية: «ان من المرجح أن تؤدي إلى الشلل في العملية السياسية، خلال فترة تشكيل الحكومة الإسرائيلية، وربما بعد تشكيلها أيضاً».

ومن هنا كما يقول كيرتز الذي عمل مستشاراً لأوباما في حملته الانتخابية وبعدها. «يتطلب من الولايات المتحدة، ويحتم عليها، ان تعمل بكل قوة، لتعزيز وقف اطلاق النار في غزة. وألا تيأس وتتخلى عن العمل لتحقيق حل الدولتين في المدى الطويل. وهذا يفرض على المبعوث الرئاسي ميتشيل ان يكثف جهوده وعمله لإنجاز مهمته. لا أن ينتظر أو يتراجع عن إنجاز مهمته».

ويعتقد أيضاً، انه سواء تمت العودة للمفاوضات، أو تأخرت، فعلى ميتشيل أن يركز الجهد المتواصل لتعزيز وقف النار في غزة، وإعادة بناء الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للفلسطينيين على أرض الواقع. وعليه أن يعمل، وبدعم ودور شخصي من الرئيس أوباما لإنجاز شيء واضح ملموس فيما يتعلق بوقف النشاط الاستيطاني. حتى لو الزمت الحكومة الإسرائيلية الجديدة بتوسيع الاستيطان.

وعلى المدى البعيد، يرى كيرتزر، مثل كثيرين غيره، ان الوقت ينفذ بسرعة لتحقيق حل الدولتين، مهما كانت تركيبة الحكومة الإسرائيلية، وأياً كان رئيسها، وبالتالي فان الحاجة الضرورية والملحة تتطلب من الولايات المتحدة العمل بجدية وإصرار وفعالية لرؤية تقدم نحو حل الدولتين، ودفع الناس في المنطقة إلى الاعتقاد والفهم والإدراك أن هذا هو الحل الوحيد.

محمد صادق