يثير تعاظم الدور التركي الاقليمي جملة تساؤلات حول المغزى والهدف والدوافع، التي وضعت انقرة في واجهة القوى المحركة للاحداث، سواء عبر اداء دور الكابح للصدامات والنزاعات او دور الوسيط الساعي لجمع اطراف الصراع حول طاولة المفاوضات. فضلا عن دور مطلق المبادرات المدافع عن ثوابت وحقوق العرب التاريخية في فلسطين السليبة، على النحو الذي تجلى في خضم العدوان الاسرائيلي البربري على غزة.

والحاصل، ان تركيا في ظل حكومة حزب (العدالة والمساواة) بزعامة رجب طيب اردوغان تتماهى في وقتنا الراهن فى ثوب (الشقيقة الكبرى) لشعوب الاقليم عربا ومسلمين، مدفوعة برغبة ملحة لملء فراغ استراتيجي، ناجم عن حال التشرذم العربي، ووضعية (المحاق) التي يمر بها (قمر التضامن العربي) الذي تحجبه غيوم كثيفة من الخلافات العبثية والتبعية المقيتة لاميركا والغرب.

وفي الحقيقة، ليست تركيا استثناء فى هذا المجال، فهناك قوى أخرى طامعة في ملء الفراغ الاستراتيجي العربي، مثل ايران ـ من داخل المنطقة- واسرائيل ككيان مزروع فى الجغرافيا العربية، وفرنسا من الخارج كقطب اورو متوسطي. غير ان البعض من العرب لايرى الخطر الحقيقي، وينشغل بالظواهر والهوامش ويتجاهل المتن ولا يصب عصارة جهده في معالجة اسباب الفراغ الاستراتيجي.

على ان دور الشقيقة الكبرى الذي تطمح تركيا لادائه والتماهي فيه، لا يمكن فصله عن معضلة تركيا الاساسية منذ انهيار الخلافة العثمانية ودفن رجل اوروبا المريض، وتأسيس جمهورية كمال اتاتورك (العلمانية) ليس بالمعنى الدقيق للعلمانية بل بمعنى دولة مدنية معادية للاسلام، لا تكتفي بنبذ الدين من مؤسسات الدولة بل تحارب كل مظاهره حتى التعبدية منها.

وورث احفاد تركيا العثمانية وتركيا اتاتورك معضلة الثنائية - ثنائية الانتماء الاسلامي والشرقي، والطموح للالتحاق بقطار الحداثة الاوروبية. فمن جهة تلخص مقولة اتاتورك تللك الرغبة المريضة في الانسلاخ عن الشرق لصالح الحلم الأوروبي (افضل ان تكون تركيا في مؤخرة اوروبا على ان تكون في مقدمة الشرق). ومن جهة اخرى يجسد اردوغان رؤية جامعة تدمج الثنائية في مركب جديد اي الانضمام لاوروبا وفي الوقت نفسه التمسك بالهوية الاسلامية، الامر الذي يؤهل انقرة لدور جسر حضاري بين الشرق والغرب، بل ويجعلها القطب الاقليمي الاقوى من حيث المكانة والتأثير.

في هكذا سياق يمكن فهم مغزى ودوافع واهداف تركيا للتماهي في دور الشقيقة الكبرى، في مرحلة مفصلية تمر بها المنطقة حيث تعصف بها رياح الفوضى الاميركية غير الخلاقة، وتعاني من غياب (لاعب استراتيجي اقليمي) تتوفر له الاستقلالية عن اجندة الولايات المتحدة الاميركية، والقدرة على ردع اطماع اسرائيل، فضلا عن (كاريزما) القدرة على قيادة المنطقة دولا وشعوبا.

وعطفا على تجليات الدور التركي الجديد، يمكن الاشارة الى الوساطة في المفاوضات السورية الاسرائيلية غير المباشرة ، والتي علقها اردوغان احتجاجا على العدوان ضد غزة، ضمن منظومة من التحركات لوقف العدوان وانقاذ الشعب الفلسطيني..

وترسيخا لاسس الدور الجديد الذي تسعى انقرة لادائه اقليميا، طمس اردوغان مدعوما بدعم شعبي واضح ارث (يهود الدونمة) وهيمنتهم على صنع القرار عبر دوائر وتحالفات تتستر خلف غلالة اسلامية لخدمة اسرائيل منذ زمن الخلافة العثمانية ايام (الرجل المريض).

وبلغت مواقف اردوغان حد الصدام مع تل ابيب، ورد الصاع صاعين لشيمون بيريز في مؤتمر دافوس، وجسد ان الشراكة لا تلغي استقلالية القرار او تدفع لابتلاع الاهانة. وهذه احدى سمات الشقيق الأكبر.