مؤتمر ميونيخ الأمني تميّز، هذه المرة، عن سوابقه؛ باثنين: ظروفة وخطابه. الأولى بتركة يوش الثقيلة فانعقاده، جاء في لحظة دولية فاصلة؛ وفي ظلّ ظروف وتحديات غير معهودة. لم يسبق، منذ تأسيسه قبل خمس وأربعين سنة، أن جاء على خلفية؛ أزمات وتوترات وانهيارات، تنذر بتبعات دولية خطيرة؛ كما هو واقع الحال الراهن. الثاني، خطف الاضواءبما كشف عنه من نوايا لفتح صفحة جديدة؛ يتقدم فيها التفاهم والتعاون على التأزم والمواجهة.
المحور كان خطاب نائب الرئيس الأميركي، جوزف بايدن. . ليس فقط لأنها كانت أول حديث شامل، لإدارة جاءت للتغير مجال السياسة الخارجية. بل أيضاً لأنها انطوت على مغادرة، من حيث المقاربة والنبرة، لخطّ إدارة بوش وسنواتها الثماني العجاف؛ على العالم كما على أميركا نفسها. بداية تحمل تباشير حصول تصحيح للخلل الموروث. الباقي، مرهون بمدى تفعيل هذا التوجه وترجمته بمواقف وسياسات.
أكثر من إشارة، يبدو أن إدارة أوباما حرصت على إرسالها. أولها كان في حضور نائب الرئيس الأميركي، لإلقاء كلمة واشنطن. في العادة يشارك وزير الدفاع، بحكم طبيعة اللقاء الأمنية. كما ينطوي اختياره على رغبة في الإيحاء بأن البيت الأبيض سيتولّى مباشرة أمر السياسة الخارجية وملفاتها. لكن الرسالة الأساسية التي أراد نائب الرئيس الأميركي إيصالها، هي أن إدارة أوباما ليست استمراراً لسلفه. تنوي اعتماد توجّه آخر مختلف، عن التوجه البوشي؛ في تعاطيها مع العالم.
وبالذات مع ما ورثته من أزمات وعلاقات متفجرة أو متوترة؛ في أكثر من مكان، من الشرق الأوسط إلى موسكو. قوام هذه السياسة، الحوار والتعاون. تقديم الدبلوماسية، على المقاطعة والمصادمة. خصّ في هذا الإطار ملفي إيران والعلاقات مع موسكو. فتح باب التحاور من دون شروط، مع طهران؛ تطور مهم. زاد من أهميته، ترحيب هذه الأخيرة بالخطوة.
نقلة جديدة، قياساً بما كان، لشهور قليلة خلت. لا يقل عن ذلك، دعوته إلى «العودة إلى نقطة البداية»، مع موسكو. تطور واعد، هو الآخر، ينطوي على اعتراف بأن العلاقات معها؛ ليست على السكّة الصحيحة وينبغي تصويبها. لا يقلّل من ذلك، تمسك الإدارة بالشبكة. ثمة مخارج، منها أن يتم نشرها، لكن في مكان بعيد عن الحدود الروسية.
في حدود هذين الملفين، كان الافتراق واضحاً؛ من حيث المقاربة، عن المألوف. الملفات الأخرى، وبالذات الفلسطيني، بقيت سيرتها تراوح عند الخطوط العريضة المتداولة، منذ سنوات. وبالأخص سيرة الدولة الفلسطينية، التي اعترف بأن تحقيقها «تأخر». لكن من دون تفاصيل، حول مدى استعجال إدارته على إقامتها. هذا إذا كانت مستعجلة فعلاً.
واضح أن الإدارة عازمة على ترك هذا الملف ومعه الأفغاني ـ الباكستاني، في عهدة مبعوثيها الخاصين. خاصة بشأن «عملية السلام»، المتروكة لبلورتها مع إسرائيل وحكومتها القادمة. وهنا يكمن عامل الفشل والتفشيل.
التصور الذي طرحته إدارة أوباما في ميونيخ، حول نظرتها إلى العالم وقضاياه الخطيرة الراهنة، احتوى على فتحات واعدة؛ ولو أنه بقي إجمالاً في العموميات. الكلام عن الحوار، يحلو سماعه. لكنه يفترض وجود استعداد للتنازل والتسويات.
هل الإدارة في هذا الوارد؟ وإذا كانت، فهل هي مستعدة للجم عدوانية الحليف إسرائيل وإجباره على الانصياع لموجبات السلام خاصة بعد فوز اليمين العنصري ؟ما عدا ذلك يبقى الكلام عن نوع «اسمع تفرح، جرّب تحزن».
