عاد من جديد الدور التركي للظهور بقوة وبشكل محوري ولافت في المنطقة العربية مما أكسبه الكثير من الإعجاب والتقدير على المستوى العربي الشعبي وعلى المستوى الرسمي، فقد قوبل باستحسان بالغ وأصبحت أنقرة قبلة العديد من المسؤولين العرب يطلبون العون والمساعدة ، الأمر الذي سيكون له بلا شك انعكاساً بشكل أو بآخر على القضايا العربية وعلى موازين القوى السياسية في المنطقة وخاصة مصر وإيران وإسرائيل .
في البداية، قال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق للشؤون الأوروبية السفير صلاح فهمي :إن الأتراك منذ عهد كمال أتاتورك يحاولون تغيير اتجاههم العام من الشرق إلي الغرب سواء في الملبس أو اللغة أو القيم أو العادات أو الانتماء ووضع خطوط حمراء للإسلام وتم تنصيب العسكر حراسا للعلمانية التي أتي بها أتاتورك.
وأضاف: أنه بعد أن استقرت الأمور، أصبح هناك توجه للحكومات التركية للاندماج في المجتمع الأوروبي، متناسين أن الأوربيين لن يسمحوا بدخول دولة بها 70 مليون مسلم في وسط مسيحي، فأوروبا غير مستعدة لقبول تركيا، حيث أنها ما زالت تعاني من مشاكل مسلمي البوسنة والهرسك وألبانيا فهي في غنى عن هذه المشاكل.
الرفض الأوروبي
ويشير الى أنه عندما جاء رجب طيب أردوغان لرئاسة الحكومة التركية وتماشياً مع مبادئ ومساعي الدولة العلمانية قي ذلك الوقت ومحاولة الاندماج مع الاتحاد الأوروبي، لاحظوا رفض عدد من الدول الأوروبية ومنها فرنسا لانضمام تركيا، فوجدوا أنه من الأفضل الالتزام بالتواجد الجغرافي والاتجاه شرقا والعمل علي العودة للمجتمع الشرق أوسطي من جديد ويكون لهم دور بدلا من «الرقص على السلم» دون أن يكون لهم تواجد غربي أو شرقي.
ويقول:إنه علي هذا الأساس فقد أصبح لهم دور في التوسط بين سوريا وإسرائيل والتدخل في حل الخلافات والاتقسامات الداخلية الفلسطينية والمحاولة في حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ونحن كعرب من جانب ساعدنا الأتراك على لعب هذا الدور.
ويتابع فهمي قائلا:الأتراك يحاولون لعب دور في الشرق الأوسط مع إيران ومصر خاصة بعد انهيار دولة العراق، ولن نستطيع تغيير المسار التركي المتبع منذ 60 عاماً وعلاقاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل ودول المنطقة ككل، مشيرا الى أن تركيا تحسن دورها وأداءها، ولكن أن يكون لها دور فاعل ومحوري مهيمن فهذا من الصعب حديثه.
ويعرب السفير صلاح فهمي عن اعتقاده بأن ايران، هي الدولة القادرة علي ممارسة هذا الدور وتسعي له بقوة، وهي التي تمتلك مخطط طموح وقدرات وإمكانيات تؤهلها للعب هذا الدور الفاعل، لافتا الي أن الصراع في المرحلة المقبلة سيكون ما بين إيران والولايات المتحدة.
الجسر التركي
وبدوره، يؤكد أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة الدكتور أحمد ثابت أن الدور التركي برز منذ فترة ليست بالقصيرة في ضوء طموحات تركيا في المنطقة ورغبتها في أن تكون جسرا بين الشرق والغرب ونافذة العالم العربي والإسلامي علي الغرب ونقطة انطلاق الغرب إلي العالمين العربي والإسلامي.
ويشير إلي أن الدور التركي الإقليمي انتقل من الهامشية خلال فترة الرئيس الأسبق تورجوت أوزال وتطور إلى أن وصل إلي درجة كبيرة من الاستقلال منذ تولي أردوغان وجول مقاليد الحكم في تركيا في سعي منهما لتحقيق مصالح تركيا في المنطقة مستغلة في ذلك عدد من الأسباب ومنها ضعف الدول العربية عامة والدول الكبرى والتاريخية على وجه الخصوص وكذلك ميل ميزان القوي بشده لصالح القوى الإقليمية.
مثل إيران وتركيا وإسرائيل بالإضافة لعدم وجود دول أو مجموعات عربية قادرة على حل النزاعات والصراعات حتى الخاصة بها فدولة مثل مصر على سبيل المثال لا تستطيع حل مشاكلها مع إسرائيل إلا إذا لجأت إلي الولايات المتحدة ولا تستطيع تنمية علاقاتها مع سوريا أو العراق إلا بتحسين علاقاتها مع إيران، وهكذا فقد العرب دورهم في إطار نظامهم الإقليمي مما أعطى لتركيا دوراً مهماً.
ويلفت إلى أن الدور التركي هو دور منافس للدور الإيراني والإسرائيلي وبالتالي ستظل المنطقة العربية رهناً لحصيلة العلاقة بين هذه القوى الثلاث تركيا وإيران وإسرائيل ولن يسوي أي خلاف أو صراع أو نزاع طالما ظل هذا التنافس بين هذه الدول خاصة في التأثير الطاغي للولايات المتحدة الأميركية على المنطقة.
الضعف العربي
ومن جانبه، يقول الكاتب والمحلل السياسي المصري طلعت رميح: المشكلة الحقيقية التي نواجهها في الأصل هو أن النظام الرسمي العربي لم يعد قادراً وفق آلياته الداخلية على حل خلافاته وعلى حسم الخلافات والنزاعات بين أطرافه، والأصل أيضاً أن الدول العربية الأساسية التي كانت توجه قرار النظام الرسمي العربي قد ضعف وزنها وتأثيرها في داخل هذا النظام، ومن ثم فإن زيادة الوزن الإقليمي والدولي لدول من خارج النظام الرسمي العربي إذا ترافق مع ضعف النظام الرسمي العربي قدرةً، فينتقل بالتبعية تأثير الدول الإقليمية إلي داخل النظام الرسمي العربي».
ويضيف: ان الإشكالية الأخطر الآن هي أن الخلافات داخل النظام الرسمي العربي قد وضعت على أسس فكرية ومذهبية مرتبطة بنمط التدخل الحادث من خارج هذا النظام وإذا كانت محصلة الأوضاع أو الصراع بين المنطقة العربية والولايات المتحدة الأميركية قد أنتجت تأثيرا مباشرا للولايات في قرارات ودور هذا النظام الرسمي خاصة ما بعد غزو واحتلال العراق .
فقد أصبحت المحصلة العامة هي تفكك حاد في ذلك النظام الرسمي، وحدث تدخل قوي لدول الإقليم والدول الخارجية بما جعلنا نصل الآن إلى حالة اختراق حقيقي وكبير لهذا النظام وتشكيل جبهات متعادية في داخله علي أسس فكرية ومذهبية وسياسية، وهو ما جعل الذي كان غير ممكنا في الستينات والسبعينات أمرا تطلبه بعض أطراف النظام الرسمي العربي .
ويقول رميح: إن تركيا الآن في مرحلة أعادت فيها ترتيب خياراتها وفقا للمعالم «الأردوغانية» التي وجدت أن مصالح تركيا واتجاهها الإستراتيجي هو في حسم الحالة الحالية والتي عاشتها تركيا لنحو القرن بالتوجه للشرق بدلا من وضع الدولة «القلقة» التي تتوجه للغرب وقبلها الشرق وقد حدث التغيير بالفعل وتوجهت تركيا للشرق .
ونوه إلى ضرورة أن نوضع في الاعتبار أن تركيا هي عضو في حلف الأطلسي وهي بذلك تنفرد بهذا الوجود بالأطلنطي، وأن تركيا ما زالت تتفق مع الكيان الصهيوني باتفاق استراتيجي وأمني الاقتصادي وإذا حسمت تواجهها نحو الشرق فإن أوروبا ما زالت هامة وحيوية بالنسبة لتركيا، وكذلك لا يمكن استبعاد أن يكون أحد الدوافع للتحرك التركي ناحية الشرق هو البناء على سابق خبرة الوجود العسكري المسيطر بالمنطقة العربية، ولذلك يجب التعامل بحذر مع الاقتراب أو التدخل أو التداخل بين تركيا وبعض الدول العربية، حيث نلحظ أن تركيا لم تبدأ انطلاقتها في المنطقة العربية.
إلا من خلال القضية الفلسطينية التي تتقيد فيها تركيا حتى الآن باتفاق شراكة مع إسرائيل، وكذا يجب الوضع في الاعتبار أن تركيا لم تقدم أية مبادرات في قضايا الاحتكاك والصراع حول لواء الاسكندرونة بسوريا أو حول حصص توزيع مياه دجلة والفرات ومن ثم يجب التفرقة بين الحالة الدعائية الصادرة من تركيا حول ضحايا الفلسطينيين في مجزرة غزة وبين القضايا الاستراتيجية في العلاقات التركية - العربية إذا جاز الوصف.
ويستطرد رميح قائلاً: هكذا إذا فتشنا في جوهر التوجهات التركية، فسنجد أنه لا تغييرات جوهرية في هذه التوجهات وأن تركيا دخلت في الأساس وفقاً لمصالحها ووفق نمط من الصراع العربي -التركي - الإيراني للهيمنة على المنطقة، والقصد أن النظام العربي قد اهترأ مما شجع تركيا على اختراقه من جانب بعد أن سبقتها إيران في ذلك.
القاهرة ـ «البيان»
