اذا كانت ثمة فائدة من الحرب الإسرائيلية على غزة فهي في عودة تركيا إلى المنطقة العربية، صحيح أن هذه العودة تمت بناء على استدعاء عربي، الا أن هذه الدعوة لاقت استعداداً تركياً ولو لم تكن أنقرة جاهزة ومرحبة بها لما حضرت على الفور. فالدعوة جاءت في وقتها لتكون رصيدا في أزمة عصفت بالنظام العربي كله، اذ كانت تركيا على مستوى التعامل السوي مع كل مراحل الأزمة. ولم تسع للتهرب من استحقاقاتها السياسية او الأخلاقية كما فعل البعض.
وتكمن قيمة العودة في أنها استردت الدولة التركية من التغريب إلى التعريب السياسي، أي من التحليق إلى المدار الأوروبي إلى المدار العربي لتنهي تناقضا داخليا وخارجيا عانى منه الأتراك والعرب مدة عقود. وتستهل مرحلة جديدة. وفي هذا التحول برهنت تركيا أنها تتحرك من موقع الصديق أو الشقيق المسلم وليس من موقع العدو المهيمن فأزالت بعض شكوك كان من الممكن أن تقبع فيها لسنوات طويلة من أجل الوصول إلى هذه النتيجة.
ومثلما كان الاستحضار العربي للدور التركي منضبطا بمهمة معينة من جانب العرب، فان تركيا بادلتهم نفس الضوابط من خلال عدة ملامح ترتبط بالدرجة الأولى بحزب العدالة والتنمية كحزب حاكم في تركيا ذي مرجعية إسلامية ،كما ترتبط بقياداته وبالدرجة الأولى برئيس الوزراء رجب طيب أردوغان وهذه الملامح هي:
أولا- كان الملمح العام هو الحرص التركي منذ بدء الحرب على التشدد تجاه إسرائيل مقابل الانفتاح على العرب باعتبار إسرائيل هي الطرف المعتدي من دون خشية من عقاب تل أبيب. وهذا يعد في جوهره نجاحا تركيا وفشلا ذريعا للسياسة الإسرائيلية التي تحرص دوما على وضع العرب في حالة صدام مع دول الجوار انطلاقا من نظريتها الشهيرة المعروفة باسم (شد الأطراف) خاصة وأن إسرائيل أنفقت سنوات من الجهد المخطط استراتيجيا لادامة هذه السياسة.
ثانيا- لم تكتف تركيا بالغضب الإعلامي والسياسي تجاه جرائم إسرائيل وإنما سعت عمليا لايقاف الحرب بالاتفاق مع الدول والتحركات العربية وتصدت لإسرائيل بقوة في كافة المحافل والمناسبات الدولية ومن ذلك المطالبة بمعاقبة إسرائيل دوليا على جرائمها ولعدم احترامها قرار مجلس الأمن، حيث دعا رجب طيب أردوغان إلى طرد إسرائيل من الأمم المتحدة. كما تصدى بنفسه بعنف لأكاذيب الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز في منتدى دافوس.
إرادة مستقلة
ثالثا- الحرص على التحرك وفق ارادة مستقلة بعيدا عن التبعية للعواصم الخارجية اذ لم تؤثر العلاقة القوية بين تركيا والولايات المتحدة وأوروبا على حرص تركيا على التحرك من واقع المصالح الوطنية ذات الأبعاد الأخلاقية والإنسانية والدينية، وعلى الرغم من أن تركيا عضو في حلف الأطلنطي وبها قاعدة عسكرية له على أراضيها في انجير لك ومن ثم فإنها ليست فقط صديقة للغرب بل هي عضو في النادي الغربي سياسيا وعسكريا، وهي كما وصفها المحلل السياسي المصري الدكتور عمرو الشوبكي ( دولة معتدلة بامتياز) الا أنها لم تتردد عندما اندلعت الحرب في لإعلان مواقفها بصراحة ووضوح دون وجل من وقع ذلك على العواصم الغربية وإسرائيل.
رابعا- التحرك وفق سلوك سياسي جديد على الساحة الدولية يربط بين السياسة و العدالة غير المزدوجة المعايير فمنذ بداية الحرب على غزة حضرت تركيا يسبقها موقف صلب مساند للحق الفلسطيني. وفي الوقت الذي كانت فيه معظم الدول العربية تتحرك من المنظور الضيق للمصلحة المحدودة .
فان تركيا وقفت موقفا صلبا منددا بالعدوان الإسرائيلي على غزة وتجلى ذلك في الدعوة فورا لايقاف الحرب وفي التنديد بالجرائم الإسرائيلية انطلاقا من الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني. وتبدى ذلك في الموقف من إسرائيل ومن حماس فلم تتهم حماس بأنها المسؤولة عن اندلاع الحرب مثلما فعل بعض العرب ومنهم السلطة الفلسطينية وإنما حملت إسرائيل المسؤولية المباشرة فيما اعتبرت أهل غزة وحركة حماس مجنيا عليها منذ ما قبل الحرب حيث الحصار الاقتصادي.
الأخلاق والقانون
خامسا- استحضار الأخلاق الإنسانية والدينية كمحدد للسياسة التركية خلال الأزمة وفي ذلك لم تحاول تركيا التهرب من استحقاقاتها أمام إسرائيل والمجتمع الدولي بل ان رجب طيب أردوغان اتهم ايهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي المستقيل بممارسة الخداع مع الدولة التركية عندما وعد بأنه لن يشن الحرب على غزة خلال زيارته الأخيرة إلى أنقرة لكنه خالف ذلك، فلم يتحرج اردوغان من فضح عدم التزام أولمرت بالوعد الذي قطعه.
وعندما تحدث أردوغان عن معاناة أهالي غزة اتهمته إسرائيل بأنه يتحرك من موقف عاطفي وليس سياسيا فلم ينكر تعاطفه مع أهالي غزة إنسانيا وسياسيا انطلاقا من ثوابت تركيا التاريخية مذكرا قادة إسرائيل بان الدولة العثمانية آوت أجدادهم يوم كانوا مضطهدين في أوروبا بل انه وصف جرائم إسرائيل بأنها نقطة سوداء في جبين الإنسانية. وهذه لغة جديدة على الساحتين السياسية العربية والدولية فالرجل استحضر التاريخ العثماني لتركيا الأتاتوركية في وقت يتهرب فيه مسؤولون عرب من ذلك خشية الاتهام بالإرهاب أو التطرف.
وهذه اللغة لم يسبق لأي مسؤول تركي أن ارتفع بها إلى مستوى المساجلات والتصريحات السياسية مما أعطى السياسة التركية عمقا إسلاميا ودينيا خاصة عندما ذكر الإسرائيليين بوصايا التوراة التي ترفض القتل بل انه بذلك اعاد الإسلام إلى قلب السياسة التركية الخارجية علنا وهو في ذلك يبدو متوافقا وصادقا مع توجهات حزبه وحكومته.
سادسا- الإعلاء من شأن القانون في مواجهة الحرب واستخدام القوة ففي الوقت الذي تحدثت فيه واشنطن والعواصم الأوروبية عن حق اسرائيل في الدفاع عن نفسها امام إطلاق صواريخ المقاومة الفلسطينية. أعاد أردوغان الأمور إلى حقيقتها عندما وصف ما يجري بالمجازر الوحشية في ادانة مباشرة لإسرائيل. ودعا الى طردها من الأمم المتحدة لعدم احترامها القانون الدولي وقرارات مجلس الامن.
وقال كيف يتم السماح لدولة بدخول الأمم المتحدة لأنها لا تحترم قرارات المنظمة الدولية داعيا إلى معاقبتها والا فان تركيا سوف تتعامل مع قرارات مجلس الأمن بنفس الطريقة التي تتعامل بها إسرائيل. أما الدول العربية فكان بعضها يبرر العدوان ويتمنى نجاح إسرائيل في القضاء على المقاومة الفلسطينية.
عدم التورط في الخلافات
سابعا- التصرف كوسيط نزيه لايتورط في الصراعات العربية عندما حضر رئيس الوزراء التركي ومن بعده الرئيس التركي عبد الله جول إلى المنطقة لم يصدر عنهما الا مساندة الحقوق العربية في إطار الالتزام بالوقوف من كل الأطراف على مسافة واحدة سواء على الصعيد الفلسطيني أو العربي، اذ لم تتعمد استغلال الخلافات والتحالفات للضغط على طرف من دون الآخر كما تصرفت تركيا بايجابية بدعوة الاطراف الفلسطينية إلى المصالحة وإبداء الاستعداد للقيام بهذا الدور اذا ما رأت الأطراف ذلك.
وفي الوقت الذي أقرت فيه تركيا لحماس بحقها في الحكم انطلاقا من شرعية الانتخاب فإنها دعتها إلى التحول إلى المقاومة السياسية والتخلي عن السلاح إلى مائدة المفاوضات. ودعت إلى منح الحركة الفرصة لممارسة حقها في الحكم.
وعندما اصطدمت الجهود التركية فور استدعائها بالخلافات البينية العربية تصرفت بهدوء حيث بقيت حاضرة برغبة عربية كما حدث في مؤتمر شرم الشيخ. وقد دعا الرئيس التركي عبد الله جول خلال زيارته مؤخرا للسعودية العرب إلى ضرورة تجاوز الخلافات معتبرا (الانقسامات عيب على العرب).
ثامنا- التناغم والانسجام بين الدورين الرسمي والشعبي ففي الوقت الذي كانت فيه الحكومة التركية تقف بصلابة أمام الجرائم الإسرائيلية على الصعيد السياسي الخارجي كانت الجماهير التركية تتحرك بنفس القوة في الداخل ومرد ذلك حالة الانسجام بين دوائر صنع القرار والجماهير فلم يكن ممكنا للقيادة السياسية التركية أن تتصرف بهذه القوة لولا تمتعها بالشرعية الداخلية وثقتها في مساندة مؤسسات الدولة وفي مقدمتها الجيش وقوى المعاضة.
فعلى الصعيد الشعبي لم تتوقف المظاهر المنددة بإسرائيل المتعاطفة مع معانة أبناء غزة. فقد شهدت معظم المدن التركية أنشطة متنوعة في هذا الإطار بل انفردت العاصمة التركية على غيرها بتسيير مظاهرة مليونية متضامنة مع الشعب الفلسطيني. كما أرسلت الحكومة إلى غزة سفينة اغاثة محملة بالمواد الغذائية والطبية.
ونظم الشعب التركي حملات للتبرع بالدم من أجل غزة واهلها وحتى اللحظات الأخيرة من الحرب كانت التجمعات المحتجة على الحرب تحتشد أمام السفارة الإسرائيلية في أنقرة تجمع التوقيعات المطالبة بوقف الحرب، وطرد السفير الإسرائيلي فيما أرسلت الحكومة طائرة لنقل الجرحى الفلسطينيين لعلاجهم في المستشفيات التركية.
وتجلت قمة الترابط والتناغم بين الشعبي والرسمي عندما انسحب رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان احتجاجا من منتدى دافوس اذ احتشد مئات الآلاف من الشعب التركي تأييدا له وتضامنا مع موقفه حتى ان موكبه لم يستطع المغادرة من شدة حرص الأتراك على استقباله كبطل قومي.
ثوابت وأثمان
تاسعا- عدم تخلي تركيا عن ثوابت سياستها الخارجية تجاه المنطقة على صعيد وساطة السلام بين العرب وإسرائيل من خلال تأكيد مساندتها لمبادرة السلام العربية تأكيدا لدورها المحوري الذي مارسته بين سوريا وإسرائيل فطوال أشهر استضافت تركيا الطرفين في مفاوضات سرية غير مباشرة.
عاشرا- إدراك تركيا ان هذه المواقف لن تمر من دون توقع أثمان باهظة وقدرتها على مواجهة ذلك. فقد واجه أردوغان بشجاعة تهمة العداء للسامية مؤكدا أن تركيا لا تعرف هذا النوع من العداء مؤكدا أن ذلك لا يمكن أن ينتشر في بلد تقوده حكومته.
ولكن يبدو أن إسرائيل عازمة على مضايقة تركي اذ تشير التقارير إلى تسجيل تراجع كبير في السياحة الإسرائيلية لتركيا كنوع من الحرب الاقتصادية. وهذا الأمر لا يزعج الاقتصاد التركي على الإطلاق، لأنه يعد احد أهم وأقوى الاقتصادات العالمية، اذ يأتي في المرتبة السابعة عشرة على مستوى العالم، محققا ناتجا إجماليا بمقدار 850 مليار دولار سنويا و وفق إحصاءات العام2007.
ويعد هذا النجاح الاقتصادي عاملا مهما في قوة واستقلالية القرار التركي إلى جانب مشروعية الحكم فالحكومة التركية صعدت إلى قيادة البلاد عبر توافق ديمقراطي من خلال صناديق الانتخابات الحرة ومن ثم فهي تستند إلى هذه الإرادة وتعبر عنها.
واذا كان العرب راغبين حقا في دور تركي مساند لهم اقليميا ودوليا فعليهم أن يردوا التحية بمثلها ان لم يكن بأحسن منها سياسيا واقتصاديا وقانونيا وأخلاقيا وإنسانيا لعل العدوى التركية تصل إلى المدارات العربية.
إضاءة
حرصت تركيا خلال الأزمة على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع إسرائيل مثل العرب ولكن من دون تقديم أي تنازلات رسمية أو شعبية فهي تعاملت معها كدولة معتدية تستحق الإدانة على الرغم من ان العلاقات القوية والعميقة بين البلدين.
كانت الأهداف والرؤى التركية واضحة ومحددة أيضا فيما يتصل بالقضية الفلسطينية بما فيها حركات المقاومة فيما زاغت أبصار وأهداف كثير من الدول العربية ولم تستطع التوصل إلى صيغة محددة للتعامل مع إسرائيل ربما لأن العرب جعلوا التطبيع أقوى من الطبيعي. ويبدو أن هذه الحالة العربية سوف تستمر طويلا على قاعدة استمرار الحرب الأهلية العربية العربية التي نشبت في غزة ومن قبلها في لبنان في صيف 2006 ما لم يحسم العرب موقفهم من العلاقة مع إسرائيل ومن حركات المقاومة.
أحمد الكناني

