الصورة التي خرج بها منتدى دافوس الاقتصادي، من دورته التاسعة والثلاثين، باهتة وخاوية؛ أكثر من أي مرة سابقة. موضوع الأزمة المالية، الذي طغى على أعماله؛ جعله يدور حول نفسه. ليس لأن المطروح من الصنف غير الاعتيادي فحسب، بل أيضاً لأن التعاطي الفعّال معه؛ غير متوفرة عناصره الأساسية اللازمة.
لا البديل تبلورت معالمه. ولا حصل تسليم بأن المعمول به، فات وقته وصار بذمة التاريخ. على العكس، لا تزال القوى الوازنة؛ التي نعمت بوضع ممتاز في ظل النظام السائد، تعاند وتلف وتدور، إزاء التقدّم المطلوب؛ نحو المعالجات الجذرية. حتى الآن لم تتزحزح، بالرغم من أنها كانت ـ ما عدا شرائح النهب المتربعة على رأس الهرم المالي فيها ـ، من أولى ضحايا هذا النظام، الذي نخره سوس الفساد حتى العظم.
طوال أيام انعقاده، غرق المؤتمر بمحاولات تشخيص عوارض الأزمة ومخارجها الممكنة. لكنه بقي خارج الغوص في أعماقها؛ لوضع الأصبع على جذور جروحها. الشق الأول استغرق معظم الوقت والنقاش. دار حول الانسدادات وحالة الركود العالمي العام، المفتوح على الأسوأ؛ حسب العديد من الخبراء. المقترحات، شملت مروحة من الوصفات التقليدية المكرورة. بقيت في حدود التركيز على أهمية استعادة «الثقة» المفقودة والحاجة إلى فتح قنوات الإقراض، مع التنويه بأهمية برامج التحفيز الاقتصادي؛ فضلاً عن ضرورة إعادة هيكلة المؤسسات المالية الدولية ـ البنك الدولي وصندوق النقد الدولي - ؛ وعن الحاجة إلى التعاون العالمي المطلوب، لتجاوز الأزمة.
كلها خلت من أي جديد. وحتى ما كان في خانة الجديد، لا يقدّم الصيغة الشافية، مثل اقتراح إنشاء مجلس اقتصادي تابع للأمم المتحدة. أو ما جاء على سبيل التحذير من سياسة الحماية وما يترتب عليها من ضمور لحركة التجارة الدولية. الملفت في هذا الخصوص، حفلة التشاطر والمزايدات، بين العواصم المعنية؛ في دافوس وقبله. الكل ينادي بالتعاون، وفي ذات الوقت كل طرف يعمل لإنقاذ نفسه.
الكل يؤكد على «قوانين السوق»، وفي ذات الوقت يسارع إلى تعويم مؤسساته المالية وصناعاته الكبيرة. أيضاً، الجميع يشدد على حرية التجارة وينبّه من مخاطر حماية الأسواق من الاستيراد، وفي نفس الوقت، بدأ كل بلد يسدّ أسواقه أمام المنتجات الأجنبية. إما من خلال الدعم لصناعات ومنتجات معينة؛ وإما من خلال رفع جدار الحواجز في وجه الواردات. والتقديرات أنها سائرة باتجاه المزيد من الارتفاع؛ وبما يهدد بإطالة أمد الركود، كما حصل أيام الكساد الكبير.
منذ بداية انهيارات الدومينو المالية وحتى دافوس الأخير ووسط ركام الأسئلة بقي اثنان من غير جواب قاطع: ر من المسؤول واستطراداً ما هو الحلّ؟ ر هل من قعر لهذه الأزمة ومتى؟ مع أن مكمن العلّة ليس بخاف. معروف أين وكيف ولماذا انفجرت. «الأزمة تعبير عن نهاية نظام لفظ أنفاسه». تلخيص لأحد الخبراء ينعقد حوله شبه اجماع. دافوس اختتم بوعد لإطلاق مبادرة قريبة «لإعادة صياغة النظام المالي».
كثيرون سبق وصوّبوا الإصبع في هذا الاتجاه. لكن واشنطن، منتج الشطط والانفلات الماليين، ترفض وتكابر. بوش بالكاد اعترف بالحاجة إلى إصلاحات. أوباما لا يزال يراهن على التعويم والتحفيز.الأزمة مالية ؟ اقتصادية. لكن القرار المطلوب، سياسي؛ تمتنع واشنطن عن اتخاذه. وحتى ذلك الحين، لا دافوس ولا مؤتمر العشرين، أبريل القادم، يمكنه الإجابة عن الأسئلة.
