في الأسبوع الأخير من العام الماضي توقف خبراء الزراعة والمياه في الأردن عند ما أطلقوا عليه «ملامح أزمة مائية مع دخول الأربعينية بلا أمطار». ومع انتهاء موسم الأربعينية سجل هؤلاء الخبراء التالي: «لقد شارفت أربعينية الشتاء على الانتهاء من دون أن تسجل أي زيادة في مخزون السدود العشرة المنتشرة في المملكة» وهو ما اعتبروه أسوأ الخيارات التي كانت تتحسب لها وزارة المياه والري.
كل ذلك يرافقه أردنيا ندرة في المصادر المائية البديلة، للتخفيف من تدهور الموازنة المائية والتي وصلت إلى حدود غير مسبوقة وخصوصا قطاع الشرب، ووفق ما اعتاد عليه مواطنو المنطقة من مساهمة الأربعينية في الموسم المطري السنوي فإنها في العادة تبلغ في معدلها العام ما نسبته 40% من المعدل السنوي إلا أن كمية الأمطار المتراكمة لكل الموسم الحالي لم تتجاوز الـ 20.
وبانحسار الهطل المطري لمعدلات غير مسبوقة مع قرب انتهاء أربعينية الشتاء، بدأت وزارة المياه بتشمير ساعديها للإعداد لفصل صيفي قاسي، بل إن قرارا اتخذ في منطقة وادي الأردن بتجفيف زراعة الخضروات ابتداء من شهر مايو المقبل لرفع مياه قناة الغور الشرقية بعد معالجتها إلى العاصمة عمان التي تحوي ما يقارب 41% من سكان المملكة.
ووفق العرف الشعبي فإن أربعينية الشتاء تعتبر أهم أيام فصل الشتاء أو كما يسميها المزارعون فحل السنة إلا أنها لم تشهد هذا العام أية أمطار. ولكن المزارعين ما زالوا يأملون أن تكون خمسينية الشتاء أفضل حالا، مشيرين إلى المثل الشعبي «إن أمحلت وراها شباط... وان غلت وراها شباط»، حيث يقسّم التقويم الشعبي الخمسينية إلى سعد ذبح، وسعد السعود، وسعد بلع، وسعد الخبايا، علما بان مدة كل سعد 5. 12 يوم.
وتبدأ أربعينية الشتاء في العشرين من شهر ديسمبر من كل عام، وتشهد هطول الأمطار بشكل غزير، وتساقط الثلوج فوق المرتفعات الجبلية. واللافت في طقس المنطقة الحالي انه يشهد ارتفاعا في درجات الحرارة أعلى من معدلها في مثل هذا الوقت من العام، إضافة إلى شح الأمطار.
ورغم امتناع المسؤولين في الوزارة عن الإدلاء بأي تصريحات عن خطة طوارئ لمواجهة موسم مطري صعب، إلا أن ملامحها بدأت بالانكشاف تدريجيا وعلى رأسها الامتناع عن الزراعة في سلة الأردن الزراعة «الاغوار». وكان وزير المياه والري رائد ابو السعود كشف في تصريحات سابقة له عن بعض الحلول التي قدمتها خطة الطوارئ لرئاسة الوزراء والتي تضمنت تحويل مياه قناة الغور الشرقية لأغراض الشرب. ومن هنا سيكون على القطاع الزراعي في الأردن أن يقدم نفسها كأول الضحايا لشح المياه في بلد يعتبر رابع بلاد العالم فقرا للمياه. ويأتي ذلك كله رغم ان وزارة الزراعة أعلنت بان عام 2009 هو عام الزراعة.
عام الزراعة
وبدأ الخبراء بالفعل يشيرون إلى المأزق الذي تعانيه وزارة الزراعة لتنفيذ مبادرة النهوض بالزراعة بحسب الرؤى الملكية باعتبار عام 2009 عاما للزراعة خلال السنوات الثلاث المقبلة. وهو ما أشار إليه وزير المياه والري رائد ابو السعود عندما قال إن الوزارة قررت وقف الزراعات الصيفية في وادي الأردن باستثناء الأشجار، مشيرا إلى أن الجهات ذات الصلة عمدت إلى اطلاع المزارعين على الواقع المائي ونسب التخزين في السدود.
بدوره أكد أمين عام سلطة وادي الأردن المهندس موسى ضافي الجمعاني أن السلطة ستعلن عن خطة لهذا العام قريبا. وقال في تصريح لـ «البيان» «إن جميع المعنيين في القطاع على علم تام بخطورة المعاناة الناجمة عن تأخر الموسم المطري وشح مصادر المياه ونقص كمياتها المخزنة في السدود»، مشيرا إلى «أن المعطيات تتطلب منا جميعا الإعلان عن خطة طوارئ واصفا إياها بالمرنة والقابلة بالزيادة والنقص لاعتمادها على الموسم المطري».
وأكد «أن الخطة قابلة للتغيير في حال هطول الأمطار خلال الشهرين المقبلين وازدياد نسبة المياه المخزنة في السدود». من جانبه قال رئيس فريق ودي الأردن في الوكالة الالمانية للتعاون الفني المهندس على بركات العدوان «انه سيتم الكشف عن قضية شح المياه على مستوى المملكة ومدى خطورة ذلك والبحث عن حلول، وذلك من قبل عدد من المختصين والخبراء خلال الفترة القليلة المقبلة».
وزير المياه وفي تصريحات صحافية له أعرب عن أمله أن تلتزم إسرائيل بتوفير المياه من بحيرة طبريا حسب نص اتفاقية الأردنية الإسرائيلية التي منحت الأردن 25 مليون متر مكعب من المياه يأخذها الجانب الأردني في فصل الصيف. وكانت وزارة المياه حصلت على ما يقارب 11 مليون متر مكعب من المياه في فصل الصيف الماضي من إسرائيل.. مليونين كان الأردن خزنهما في فصل الشتاء الماضي و9 ملايين تم الاتفاق على اعتبارهما دين يقوم الجانب الأردني بسدادهما في المواسم المطرية المقبلة.
وتعتبر وزارة المياه الحلقة الأضعف في مواجهة تجاوزات بعض المناطق على المياه، فرغم الشح المطري فإن هناك ما يسمى في الأردن «مناطق سوداء» وهي التي تشهد ارتفاعا في نسب الفاقد من المياه فيها تصل إلى 90% بسبب رفض الأهالي دخول فرق الوزارة لتلك المناطق من أجل قراءة عدادات المياه. وبحسب تصنيف غير رسمي فان مناطق جنوب عمان والاغوار ومحافظة معان والمفرق تعتبر خارج صلاحيات وزارة المياه. ويأتي ذلك رغم نفي رئيس الحكومة نادر الذهبي في وقت سابق لمجلس النواب تأكيده انه «من غير المسموح به القول بوجود أي شخص أو منطقة فوق القانون».
عمان ـ لقمان اسكندر
