لا يعكس خطاب أوباما يوم التنصيب وتصريحاته المتعددة أية نوايا لحروب مقبلة في أي مكان في العالم، ولكن كما يقولون في الولايات المتحدة انه في صفحات كل رئيس لابد من مكان للحروب سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، فمن المعروف أن الحرب بالنسبة للولايات المتحدة ليست مجرد مسألة أمنية أو استعراض للقوى والترهيب وفرض النفوذ.
بل هي ثقافة زرعتها جهات صنع القرار في واشنطن في العقلية الأميركية وخلقت لها العديد من المبررات، والحرب بالنسبة للولايات المتحدة تختلف عنها بالنسبة لباقي دول العالم، فهي في أميركا هدف في حد ذاتها تسخر له كل الوسائل والأسباب، حيث مراكز القوى التي تدير القرار السياسي في واشنطن يقبع على رأسها المجمع الصناعي الحربي الذي سبق أن حذر منه الرئيس الأميركي الأسبق أيزنهاور في آخر أيام ولايته عام 1961 وقال ان هذا المجمع الخاص يمارس نفوذاً غير مشروع على الولايات المتحدة، وبالتالي فالحروب قدر لا يمكن للرئيس الأميركي أن يفلت منه.
صقور جدد: أوباما ليس استثناءً من هذه القاعدة، والمؤشرات تشير إلى أن الآلة العسكرية الأميركية التي عبرت الأطلسي عام 2003 إلى الشرق الأوسط لن تعود لقواعدها في الولايات المتحدة في المستقبل القريب، بل ستستمر في عملها الدائم لتدر المزيد من العائدات في خزائن المجمع الصناعي الحربي الأميركي العملاق الذي تملكه مجموعة من العائلات والأشخاص أصحاب النفوذ الذين درج على تسميتهم في الأدبيات السياسية بـ «الحكومة الخفية» في الولايات المتحدة، وطالما هناك شعب أمريكي يدفع الضرائب ، وطالما المواطن الأميركي مشبع بثقافة البطل الذي لا يقهر والتي فرضتها عليه هوليوود على مدى عقود طويلة، فإن الأزمات المالية والاقتصادية لن تحول دون خوض المزيد من الحروب، خاصة وأن هناك في إدارة الرئيس الجديد أوباما من صقور الحرب من لا يقلون شراسة وشبقاً للحروب عن صقور إدارة سلفه بوش.
ولكن إذا كان أوباما قد وعد بالانسحاب من العراق، والوضع في أفغانستان لا يساعد على الاستمرار مع تنامي قوة طالبان وعزوف الأوروبيين وغيرهم عن إرسال قوات لجنوب أفغانستان للحرب هناك، كما أن الصدام مع إيران أمر مستبعد إلى حد كبير، إذاً أين ستكون الحرب الأميركية القادمة في عهد أوباما؟
العدو الصغير
لقد أثارت عمليات القرصنة الصومالية الكثير من الجدل والتساؤلات وأيضاً الشكوك حول الجهات التي تدعم هذه المجموعات الصغيرة من القراصنة ذوات العتاد العسكري المتواضع، والتي تسيطر على مرأى ومسمع العالم كله على العشرات من سفن الشحن العملاقة وطواقم ركابها وهي ترسو على الشواطئ الصومالية ولا تجرؤ أية قوة دولية على التدخل ضدها، الأمر الذي يطرح تساؤلات وشكوكاً كثيرة حول وجود جهات قوية وراء هذه المجموعات تدعمها وتعوق أية محاولات لمقاومتها بالقوة المسلحة.
ويطرح بعض المحللين آراء يصنفها البعض تحت بند «نظرية المؤامرة»، ومن أصحاب هذه الآراء رئيس الوزراء الروسي الأسبق ورئيس جهاز الاستخبارات الروسية الأسبق يفجيني بريماكوف رئيس غرفة التجارة والصناعة الروسية حالياً والخبير المعروف في شؤون الشرق الأوسط، إذ يرى بريماكوف أن هناك أسلوباً جديداً ظهر على الساحة يثير جدلاً وشكوكاً واسعة النطاق، حيث مجموعات صغيرة ومحدودة الإمكانيات ترتكب أفعالاً أكبر بكثير من حجمها وتؤدي إلى حروب كبيرة.
وربط بريماكوف بين المجموعة الصغيرة التي هاجمت أبراج نيويورك بطائرتين وأشعلت حروباً كبيرة في أفغانستان والعراق لم تنته حتى الآن، ومجموعة طالبان التي قيل انها انتهت بعد تحرير أفغانستان منها، وانه لم يبق منها سوى ألفي فرد هاربين في الجبال، وها هي طالبان تعود وبقوة غير عادية لا تستطع القوات الأميركية ولا قوات حلف الناتو السيطرة عليها.
وأخيراً مجموعات القراصنة الصوماليين ذوي الزوارق الصغيرة والأسلحة العادية القليلة يهاجمون السفن العملاقة ويأسرون العشرات منها ويساومون على الفدية ويهددون مصالح الدول الكبرى والتجارة العالمية، ولا أحد يستطيع السيطرة عليهم، بينما تستعد واشنطن للتصدي لهم وحدها وترفض أي جهود دولية مشتركة لمقاومتهم. ويطرح بريماكوف السؤال: ترى من يقف وراء هذه المجموعات الصغيرة؟ ويقول إن هذا العدو الصغير الغامض تمت صناعته من قبل جهة دولية معينة بهدف شن حروب كبيرة وواسعة النطاق تحقق مصالح مجموعات معينة في العالم.
توصية لأوباما
وقد كشفت تقارير روسية نشرتها بعض الصحف في موسكو عن وجود مخطط أميركي لخوض حرب في القارة الإفريقية. وتقول التقارير انه قبل فترة من الزمن قدمت الولايات المتحدة إلى مجلس الأمن الدولي مشروع قرار يجيز شن عمليات حربية ضد القراصنة في الصومال. ويستند مشروع القرار إلى البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي ينص على أن بالإمكان استخدام القوة العسكرية ضد هذا البلد أو ذاك إذا كانت تلك الدولة معتدية أو تشكل خطراً على الأمن الدولي. وتعتقد الجهات الأميركية أن هذا البند ينسحب تماماً على الوضع في الصومال. وتشير التقارير إلى أن فريقاً مختصاً من الخبراء برئاسة وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت ووزير الدفاع الأسبق وليم كوهين تقدم مؤخراً بتوصية إلى الرئيس الجديد أوباما لكي يجعل منع ما وصفوه بـ «الإبادة الجماعية» في إفريقيا أولوية رئيسية في سياسته الخارجية.
ترى ماذا تخفي وراءها الخطط لإجراء «عملية حفظ سلام» دولية جديدة في الصومال؟ وما هو الهدف الاستراتيجي الأساسي للولايات المتحدة الأميركية في القارة الإفريقية: هل هو فقط مكافحة القرصنة والتطرف أم أن الحديث يدور هنا عن بداية جولة جديدة من الصراع على ثروات القارة السوداء؟ وأي بلدان افريقية أخرى يمكنها أن تغدو أهدافاً لعمليات عسكرية بذريعة مكافحة الإرهاب أو «منع الإبادة الجماعية»؟
السودان هو الهدف
يتوقع خبراء الاستراتيجية في روسيا ويؤيدهم في ذلك الصينيون أن تكون هناك جهات أجنبية كبيرة وراء عمليات القرصنة الصومالية، وأن تكون العملية الحربية المرتقبة في الصومال تمهيداً لخطوة أخرى أوسع وأهم، وهي غزو السودان الذي تتصادم فيه المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة والصين وعدد من الدول الأوروبية. خاصة وأن بعض أعضاء إدارة باراك أوباما الجديدة يعتبرون ما يجري في دارفور إبادة جماعية.
ويشير الخبراء إلى نقطة أخرى لها دلالتها وهي أن قبيلة «لوو»، ثالث أهم قبائل كينيا، والتي ينحدر منها حسين أوباما، والد الرئيس الأميركي، لها امتداد كبير في جنوب السودان أيضاً، الأمر الذي قد يزيد من حماس الرئيس أوباما للحملة العسكرية في هذه المنطقة بالتحديد، ويعول أمراء الحرب في واشنطن على أن تلقى هذه الحملة ترحيباً وحماساً، وخاصة من بعض شعوب المنطقة والدول المجاورة الذين ابتهجوا كثيراً لفوز الرئيس أوباما ذو الأصول الإفريقية.
على ما يبدو أن روسيا قررت المبادرة لمحاصرة المخطط الأميركي الجديد والحيلولة دون السماح بتنفيذه، فقد أرسلت قطعاً من أسطولها الحربي للشواطئ الصومالية لتستمر هناك بشكل دائم لحماية السفن من القراصنة. كما قررت في الوقت ذاته تنشيط علاقاتها مع السودان والمشاركة بفاعلية أكبر في عمليات التسوية السلمية في دارفور ودعم السلام القائم بين شمال وجنوب السودان، وأصدر الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف قراراً منذ أيام بتعيين رئيس لجنة العلاقات الدولية في البرلمان الروسي ميخائيل مارغيلوف مندوباً خاصاً عنه لشؤون السودان.
وقد توجه مارغيلوف إلى الخرطوم في 26 يناير المنصرم حيث التقى بالرئيس البشير، ثم توجه إلى دارفور وإلى جنوب السودان حيث التقى نائب الرئيس السوداني في الجنوب سيلفا كير، وأعلن في موسكو في الأيام الماضية عن مشاريع استثمارية روسية في جنوب السودان في مجالات السكك الحديدية والبنية التحتية وأيضاً في مجالات النفط والغاز والمعادن.
كما أعلنت أكبر شركة لتصنيع سيارات الشحن الروسية «أورال» عن تأسيس مصنع لها خلال هذا العام في جنوب السودان لإنتاج الشاحنات الكبيرة، وتلقى التحركات الروسية المكثفة في السودان ترحيباً من كل الأطراف السودانية وتسهيلات خاصة من الحكومة السودانية، كما تلقى ترحيباً خاصاً من الصين صاحبة المصالح الكبيرة والمتعددة في السودان والدول المجاورة، والتي تخشى على مصالحها من إشعال واشنطن للحرب في المنطقة.
د. مغازي البدراوي


