جاء جورج ميتشيل إلى الشرق الأوسط «الملتهب» كأول مبعوث لرئيس الآمال والأماني باراك أوباما.. وسيأتي مرات ومرات، تماما مثلما أتى أسلافه من قبل. وأميركا هي أميركا. لا تغيير في المواقف ولا انصاف للحق، مادام الوسيط الأميركي يرجح كفة على أخرى، والكفة المائلة دائما هي كفة إسرائيل باعتبار أن الولايات المتحدة هي الراعي الرسمي للدولة العبرية تحصنها سياسيا بالفيتو، وتطعمها لتبقى على قيد الحياة وتحميها بأحدث الأسلحة ضد كل من تسول له نفسه أن يسيء إليها.

لا جديد حمله ميتشيل، ولا جديد في الموقف الأميركي الذي يمثله. وما قاله طوال جولته في المنطقة هنا وهناك .. كلام مهدئ ومستهلك لا يضيف شيئا، بل من يتفحص مضمونه يجده مستفزا. قال «من المهم تعزيز وقف إطلاق نار قابل للاستمرار ودائم ونحن نشجع الجهود المبذولة في هذا الاتجاه»، ودعا إلى وضع آلية تسمح بفتح المعابر مع قطاع غزة بشكل دائم. ثم أكد ان الإدارة الأميركية الجديدة ستعمل في سبيل التوصل إلى سلام دائم في الشرق الأوسط وأنها متمسكة بتسوية على أساس دولتين، إسرائيلية وفلسطينية، تعيشان جنبا إلى جنب في سلام وأمن.

كلام معسول ومسكن، ولكنه يقال، وصاحبه مغمض العينين عن الحقيقة المرة التي يعيشها الشعب الفلسطيني الذي تعرض لأبشع عدوان شنته الآلة العسكرية الحديثة على قطاع غزة الأسير. - كان بالأحرى على ميتشيل أن يذهب الى غزة التي عاث فيها مجرمو الحرب قتلا ودمارا وتخريبا، ليثبت لأهالي القطاع البؤساء على الأقل - حسن نية أميركا ونزاهتها كوسيط سلام. ولكنه اختار أن يغمض عينيه ويتغاضى عن الزيارة.

- كان بالأحرى أن يدعو إلى رفع الحصار عن 1،5 مليون فلسطيني معتقلين داخل القطاع، ولكنه تحدث عما أسماه آلية لفتح المعابر بوابات السجن الكبير التي أقامها جيش الاحتلال على طول القطاع وعرضه. شغلته قضية تهريب السلاح عن الحديث عن آلام المشردين الذين يعيشون الآن على أنقاض وركام منازلهم في غزة. وللعلم وافقت الولايات المتحدة ضمنيا على حصار غزة الذي يعتبره حتى بعض الاسرائيليين كما قالت وكالة رويترز عقابا جماعيا!

- وفوق ذلك، لم نسمع أن ميتشيل طالب أحباءه في إسرائيل بأن يكفوا عن استهداف المدنيين خلال غاراتهم الوحشية التي لا تنقطع عن غزة، كأنه لم يسمع عن مواقف المنظمات الدولية وعلى رأسها «أمنيستي» أو «هيومان رايتس» التي أكدت أن ما حدث في غزة جرائم حرب.

قد يقول قائل إن ميتشيل وهذا ما قاله الطرف الفلسطيني الذي التقى به في رام الله - مازال في مرحلة الاستماع من اجل صياغة رؤيته النهائية للحل، وأنه أتى إلى المنطقة ليظهر اهتمام إدارة الرئيس اوباما بأهمية التحرك السريع بعملية السلام في الشرق الأوسط. هذا صحيح، ولكن لن تخرج تحركات ميتشيل في المستقبل عن خطته القديمة أو ما عرف بتقرير ميتشيل الذي صدر عام 2001 وأصبح أساسا لخطة «خارطة الطريق» التي وضعت عام 2003 والمدعومة أميركيا والتي لم تحقق شيئا منذ الإعلان عنها.

ولعل رأي المفاوض الأميركي السابق بالشرق الأوسط ديفيد ميلر في مقابلة أخيرة، يكشف فحوى التحرك الأميركي في عهد أوباما. فقد قال إن اختيار ميتشل كمبعوث في المنطقة، يظهر أن الإدارة الجديدة اختارت الشكل وليس المحتوى. ويؤكد ميلر - كما أشارت رويترز - أن اوباما لا ينوي إجراء تغييرات كبرى في السياسة، لأنه في الوقت الحالي تعتبر احتمالات التوصل إلى اتفاق من أي نوع لإنهاء الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين منعدمة.

حسن صابر