رغم توقف العمليات العسكرية الإسرائيلية المكثفة على الشعب الفلسطيني الأعزل .. وسط ترنح الهدنة جراء بعض الخروقات، ورغم توقف مسيرات تشييع الجنائز وصمت دوي المدافع لبعض الوقت، مازال أنين الفلسطينيين مستمرا ومازال قطاع غزة يعاني الحصار الإسرائيلي ويفتقد كل مقومات الحياة وأبسط متطلبات حقوق الإنسان.

ومازال سكانه يفتقدون الأمن والأمان والمأوى والرعاية والعلاج والطعام والشراب في ظل استمرار المخاوف من تجدد الاعتداءات الإسرائيلية واستهداف قيادات حماس واستهداف المدنيين من جديد، وهى العمليات التي أدت إلى تدمير شامل للبنية الأساسية والمنازل وتحول أكثر من 75 في المئة من سكان قطاع غزة البالغ تعداده مليونا ونصف المليون إلى لاجئين داخل أراضيهم يفترشون العراء ويلتحفون السماء في هذا الطقس شديد البرودة. كل هذه الأحداث المتلاحقة ليست ببعيدة عن الجهود التي تبذلها مصر وأطراف دولية وعربية أخري في إطار الحفاظ علي التهدئة وإعادة إعمار قطاع غزة المدمر بالكامل والذي حظي بسخاء عربي كبير، جراء تردي الأوضاع هناك بفعل الاعتداءات الإسرائيلية وما سبقها وما يتبعها من حصار خانق.

تواصل الجهود المصرية

في البداية، أكد الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية السفير حسام زكي أن مصر بذلت جهودا مضنية قبيل بدء العدوان الإسرائيلي في محاولة منها لمنع إسرائيل من القيام بتلك العمليات واستبقت ذلك وحذرت الفصائل الفلسطينية وخاصة حركتي حماس والجهاد من قرار عدم تجديد اتفاق الهدنة مع إسرائيل وإعطائها المبرر لاستغلال ذلك في ضرب القطاع واستخدامه انتخابيا، كما أن مصر حذرت إسرائيل من الإقدام علي هذه الخطوة إلا أن نداءات الدعاية الانتخابية كانت أقوى.

وقال زكي : إن مصر حاولت على مختلف المستويات أن توقف عجلة الآلة العسكرية الإسرائيلية، وتوقف الاعتداءات الإسرائيلية علي قطاع غزة وأجرت اتصالات حثيثة مع جميع الأطراف الدولية الإقليمية والفلسطينية والإسرائيلية على مختلف المستويات وهو ما كان له أبلغ الأثر في بلورة المبادرة المصرية لوقف إطلاق النار في القطاع وتم بالفعل هذا الوقف وقبل الطرفان الإسرائيلي والفصائل الفلسطينية وقف إطلاق النار وبدأت مصر مواصلة جهودها واتصالاتها لترجمة مبادرتها علي أرض الواقع.

وأضاف: ان الجهود المصرية بدأت تتبلور بالفعل وتأخذ خطوات عملية وزخم دولي خاصة مع تأييد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي للجهود المصرية، مشيرا إلي أن الجهود المصرية وفقا للمبادرة ستقوم على ثلاثة مراحل، الأولى تثبيت التهدئة والاتفاق علي هدنة دائمة، والثانية رفع الحصار وفتح جميع المعابر، والثالثة تحقيق المصالحة الوطنية الفلسطينية وإعادة إعمار قطاع غزة المدمر.

وشدد على أهمية أن يتم انتهاز هذا الزخم الذي أحدثه الوضع المتردي في قطاع غزه في الدفع بالقضية الفلسطينية لمقدمة اهتمامات العالم واستغلال الوضع الحالي في الوصول إلى حل دائم وشامل للقضية الفلسطينية على أساس إقامة دولة فلسطينية مستقلة ومستقرة وعاصمتها القدس.

الجهد العربي باتجاهين

ومن جانبه، أكد الأمين العام المساعد للجامعة العربية لشؤون فلسطين والأراضي المحتلة السفير محمد صبيح على أن الجهد العربي يسير في اتجاهين أساسيين فيما يتعلق بالأوضاع في غزة، الأول وهو سياسي ويرتبط بجهود تثبيت وقف إطلاق النار وتمديد التهدئة ورفع الحصار عن قطاع غزة وضمان استمرار فتح المعابر بشكل دائم وتحقيق المصالحة الفلسطينية وتشكيل حكومة وطنية تتولي إدارة الشأن الفلسطيني تمهيدا لإجراء انتخابات ديمقراطية رئاسية وبرلمانية بهدف القضاء علي الانقسام الفلسطيني.

وأضاف صبيح: ان الاتجاه الثاني للعمل العربي وهو الاتجاه الإنساني ويتمثل في أولا تنفيذ قرار القمة العربية بالكويت بملاحقة قادة إسرائيل كمجرمي حرب في المحافل الدولية وجمع الأدلة وتوثيقها واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لذلك ومنها دعوة الجمعية العامة للأمم المتحدة للانعقاد ومطالبتها بإرسال لجنة تقصي حقائق علي وجه السرعة لرصد وتوثيق الانتهاكات التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية في القطاع.

وأشار إلى أن الجانب الإنساني يتعلق أيضا بالبحث في إعادة إعمار القطاع وبناء ما دمرته آلة الحرب الإسرائيلية التي لم تترك أخضر ولا يابسا إلا وأتت عليه، وثمن غاليا مبادرات الدول العربية المختلفة للمشاركة في جهود الإعمار وخاصة قرار خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز بتخصيص مليار دولار لإعمار القطاع وكذلك قرار أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح بتخصيص نصف مليار دولار فضلا عن تخصيص 34 مليون دولار إعانة عاجلة لمفوضية غوث وتشغيل اللاجئين «الأونروا» لتلبية الاحتياجات الأساسية للقطاع ،بالإضافة لقرار أمير دولة قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني بتخصيص 250 مليون دولار لإعمار القطاع.

ولفت صبيح إلي أن هذه الجهود وغيرها من مشاركات الدول العربية والأوروبية والمجتمع الدولي سيتم بلورتها ووضع الآليات اللازمة لها خلال المؤتمر الدولي لإعادة إعمار قطاع غزة والذي دعت إليه وتستضيفه مصر في 2 مارس المقبل.

وحدة الصف الفلسطيني

وبدوره، أكد سفير فلسطين المناوب بالقاهرة الدكتور بركات الفرا أهمية أن تتوحد الجهود العربية في دعم القضية الفلسطينية في هذه المرحلة العصيبة التي تمر بها القضية وأن يدعم العرب وحدة الصف الفلسطيني وأن يبتعد الجميع عن استخدام القضية الفلسطينية كورقة سياسية لتحقيق مصالح أو أجندات خاصة وأن يدرك الجميع أن الدم الفلسطيني غال وأنه يستحق أن يقف الجميع لصونه وحمايته.

وأشار إلى أن الشعب الفلسطيني يقدر كافة الجهود الصادقة والمخلصة لحمايته والدفاع عن قضيته وتحقيق هدفه في إقامة الدولة الفلسطينية علي حدود 1967، لافتا الى أن الشعب الفلسطيني تحت كل الظروف لن يتنازل عن حقوقه في إقامة الدولة الفلسطينية الموحدة وعاصمتها القدس الشريف وكذلك عودة اللاجئين والمهجرين إلى أراضيهم وتعويضهم عما لحق بهم خلال السنوات الماضية.

وأضاف الفرا: أن الشعب الفلسطيني بكافة انتماءاته واتجاهاته يتطلع إلي قادته ونخبه السياسية لتحقيق المصالحة الوطنية بعيدا عن أية انتماءات أو حسابات أو توجهات وأن يسموا فوق خلافاتهم وأن يعلوا المصلحة الوطنية وأن يستجيبوا للجهود المخلصة لتحقيق المصالحة الوطنية وإعادة بناء القطاع وتحقيق الوحدة للأراضي الفلسطينية وإفشال المخططات الإسرائيلية الساعية إلي تمزيق الوطن الفلسطيني وتحويله إلي «كنتونات» تفتقد كل متطلبات الحياة.

وحذر الفرا من أن أخطر ما يمكن أن يهدد القضية الفلسطينية خلال المرحلة القادمة هو الانقسام والتمزق الفلسطيني والصراع الفلسطيني ـ الفلسطيني والذي يصب في الأساس في مصلحة الجانب الإسرائيلي ويحقق أهدافه ويضر بالمصالح الوطنية الفلسطينية ،مطالبا بأهمية أن يتوحد العرب حيث إن وحدتهم هي الأساس في الوحدة الفلسطينية وانقسامهم هو السبب الرئيس في ضرب وحدة الصف الفلسطيني والسعي لاستقطاب الفصائل الفلسطينية على حساب القضية الأم للأمة العربية.

استغلال زخم الحرب

أما الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية الدكتور عماد جاد، فأكد علي أهمية أن يوحد العرب صفوفهم أولا، معتبرا أن الانقسام الفلسطيني هو انعكاس طبيعي للانقسام والاستقطاب العربي الذي تلعب عليه إسرائيل جيدا وتسعي لاستغلاله سواء على المستوى العربي أو الفلسطيني بل وتسعى لتعميقه وتغذيته وعلى العرب والفلسطينيين ان يتنبهوا جيدا لذلك.

وقال جاد: إذا استطاع العرب والفلسطينيون توحيد صفوفهم، عندها يمكن أن يتحدثوا ويسعوا إلى استغلال الزخم الذي أحدثه الواقع المؤلم في غزة والتعاطف الدولي الذي تحقق في تحقيق عدة أمور، أولها تثبيت التهدئة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، ثانيا كشف الوجه القبيح لإسرائيل ودفعها دائما لموقف المدافع عن النفس من خلال ملاحقتها جنائيا وفضح ممارساتها الإجرامية في الأراضي الفلسطينية واستخدام ذلك كورقة ضغط علي الجانب الإسرائيلي.

وأضاف: انه لابد أيضا من تحقيق المصالحة الوطنية بين الفصائل الفلسطينية وتشكيل حكومة وحدة وطنية ريثما يتم إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية ،وأن تلتزم جميع الفصائل الفلسطينية بنتائج الانتخابات واختيار المواطنين وأن يتم تنحية السلاح جانبا بحيث لا يشهره كل طرف في وجه الآخر عند أي نقاش وأن يتم تحديد استخدامات هذا السلاح الشرعي والمعروف.

ولفت جاد إلى أهمية ألا يخبو الزخم والاهتمام بما حدث في غزة وأن يتم تسخيره لخدمة القضية الفلسطينية، محذرا من أن تتحول القضية الفلسطينية من قضية سياسية إلي قضية إنسانية وأهمية أن تكون الثانية في خدمة الأولى خاصة وأن إسرائيل تراهن دائما على قصر النفس العربي في المطالبة بالحقوق وعلى ضعف ذاكرة الشعوب العربية.

ونبه إلى أهمية ألا يشغلنا الصراع على مخصصات إعمار القطاع وإدارة الأموال المخصصة لذلك عن الهدف الأساسي خاصة في ظل هذه المعاناة التي يعانيها مواطنو غزة بعد أن دمرت إسرائيل البنية الأساسية بالكامل وهدمت المنازل والمساكن، وأن يبتعد الجميع سواء كانوا عربا أو فلسطينيين عن تبادل الاتهامات سواء بالمتاجرة والمزايدة أو التآمر والتواطؤ حيث ان مثل هذه الاتهامات من شأنها أن تنخر في عضد القوي السياسية العربية وتنال من صمود ومقاومة الشعوب العربية وتقدم القضية الفلسطينية علي طبق من ذهب للكيان الصهيوني.