رئيف خوري هو كاتب لبناني كبير، بدأ حياته الأدبية، والفكرية، منذ أواسط ثلاثينات القرن الماضي، وكان من أول كتبه، كتاب حمل عنوان«جهاد فلسطين»، استوحاه من ثورة فلسطين في عام 1936، التي كان من قادتها عز الدين القسام، وكان رئيف يدرّس الأدب في مدارس فلسطين في ذلك التاريخ، وكان له دور في الثورة، كمحرض للجماهير في الخطب الثورية التي ألقاها في التجمعات الشعبية.

وكان من أهم كتبه، إن لم يكن أهمها بالمطلق، كتابه «الفكر العربي الحديث ـ أثر الثورة الفرنسية في توجيهه السياسي والاجتماعي»، الذي صدر في عام 1943. وأهمية الكتاب تكمن في كون رئيف خوري عرض فيه لأفكار حركة النهضة العربية في القرن التاسع عشر، واختار بعض رموز تلك النهضة ليحدد، من خلال نتاجهم الفكري، أثر أفكار الثورة الفرنسية وشعاراتها في أفكارهم التحديثية في العالم العربي، وهي كانت أفكاراً طليعية، في تلك المرحلة من تاريخ العالم العربي. لكنها، برغم طليعيتها وبرغم أهميتها، وربما بسبب ذلك بالتحديد، لم تستطع أن تعيش طويلاً في ظل الأوضاع العربية التي كانت سائدة، بل هي انتكست وتراجعت وتراجع تأثيرها، ولا يزال هذا التراجع يطبع الوضع في بلداننا حتى الآن.

لست هنا في معرض الحديث عن رئيف خوري وعن تراثه الأدبي والفكري، وعن إسهامه في الكشف عن الروائع في تراثنا الثقافي العربي، فللحديث عن هذا الأديب اللبناني الكبير، في هذا البحث، وظيفة أخرى تتصل بعمل كبير ورائد قام به، وكان طليعياً فيه لم يسبقه إليه أحد من مفكرينا العرب في النصف الأول من القرن الماضي، لقد كان رئيف خوري أول من كتب عن حقوق الإنسان، إذ ألف كتاباً، هو الأول من نوعه في العالم العربي، حمل عنوان «حقوق الإنسان، من أين وإلى أين المصير؟».

وضع رئيف لكتابه غلافاً يحمل صورة لإعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي كانت أقرته الجمعية الوطنية الفرنسية، في أعقاب انتصار الثورة الفرنسية في عام 1789.

وحصل ذلك تحديداً في الأيام: 20 و21 و23 و24 و25 و26 من شهر أغسطس في ذلك العام التاريخي، وقد صدق الملك على هذا الإعلان بعد إقراره في الجمعية الوطنية، وتوجد في أعلى الصورة لوثيقة إعلان حقوق الإنسان والمواطن صورتان ترمز الأولى التي من الجهة اليمنى إلى فرنسا وقد تقطعت أغلالها، وترمز الثانية في الجهة اليسرى إلى القانون مشيراً بإصبعه إلى حقوق الإنسان، ومشيراً بصولجانه إلى عين العقل الرفيعة التي طلعت تبدد سحب الجهالة. والشرح المرفق للصور الثلاث ولمحتواها هو لرئيف خوري بالذات، وذلك في الصفحة الأولى من الكتاب.