تكاد تجربة «المبعوث الخاص»، تتحول إلى تقليد متوارث؛ في واشنطن. أكثر من إدارة اعتمدته ، للتعامل مع أزمات المنطقة. وبالتحديد مع القضية الفلسطينية وملف «عملية السلام». وبالرغم من أن مثل هذا التكليف يوحي بوجود اهتمام متميز بالمشكلات مع العزم على التغلب عليها وحلّها؛ إلاّ أن المهمة باءت بالفشل. أو بقيت تراوح مكانها.
كانت أشبه بعملية تخدير؛ ضمنت لإسرائيل شراء المزيد من الوقت؛ لفرض أمر واقع على الأرض. بدلاً من المساعدة على تحقيق اختراقات لفتح الطريق، لعب «المبعوث الخاص» دور المسهّل لتحايل إسرائيل وتملّصها المنهجي من التزاماتها. على هذه الخلفية وصل جورج ميتشل، مبعوث الرئيس أوباما، إلى المنطقة. التحدّي، أن ينقذ هذه المهمة ويعطيها من المضمون ما يخدم السلام. لكن السوابق لا تشجع. وكلام الرئيس الذي رافق انطلاقة مبعوثه، احتوى على خطوط موروثة؛ ولو أنه لم يخل من تلميحات نوعية.
قصة «المبعوث»،ليست جديدة. تكررت مع أكثر من إدارة. دبلوماسي متمرس في فنّ التفاوض والتسويق، يختاره الرئيس من خارج السلك أو من متقاعديه؛ ليساعد في تفكيك خيوط أزمة حادة أو مستعصية. في معظم الحالات، خرجت المهمة بنتيجة. في قضية البوسنة، تمكن المبعوث ريتشارد هولبروك، من الوصول، مع أطراف الصراع، إلى صيغة تسوية؛ وضعت حدّاً للصراع. في مشكلة أيرلندا الشمالية، نجح المبعوث ميتشل، ذاته، بعد محاولات استمرت حوالي سنتين؛ في حمل الجانبين البروتستانتي والكاثوليكي، على طي صفحة العنف والموافقة على تسوية سياسية. لم تكلّل المهمة بالنجاح، لأن المشكلة كانت أقل تعقيداً. في كلتا الحالتين، كان الصراع شديد الدموية وعميق الجذور.
تيسّر تفكيك الصواعق، لأن إرادة اتخاذ القرار، توفرت لدى الأطراف المعنية؛ كما لدى الوسيط. مثل هذا الشرط ، الضروري والكافي، بقي مفقوداً، خلال انخراط المبعوث الأميركي، في «عملية السلام». لا إسرائيل كانت عازمة على السلام؛ ولا واشنطن قرّرت حملها على قبول هذا الخيار. هنا يكمن جذر تحوّل وساطة المبعوث، في هذا الملف، إلى مجرد تقطيع وقت. زعمت الإدارات المتعاقبة، أنها تترك الحلول لأصحاب العلاقة، عبر المفاوضات.
كما تذرعت، باستمرار، بأنها لن تجبر إسرائيل على قبول ما لا تريده. بذلك، تركت لإسرائيل ، بحكم الخلل الفادح في التوازن، الحرية التامة لممارسة التعجيز والمماطلة والتهرب؛ الذي تكفل كله، بهدر الوقت والإطاحة بكافة الاتفاقيات والالتزامات والخرائط؛ منذ مدريد وحتى اليوم. كما تركت لإسرائيل حرية التصرف في الأراضي المحتلة، مع تأمين الحماية الدبلوماسية والدولية، لها. تواطؤ مموّه، لكنه مفضوح. واشنطن سبق وأجبرت إسرائيل على الانصياع، عندما أرادت ذلك. على سبيل المثال، الرئيس بوش الأب منع تل أبيب من الرد على صواريخ سكود العراقية. الرئيس كارتر هدّد بيغن، في كامب دافيد، وفرض عليه القبول بوجهة نظره.
الرئيس أوباما، قال إنه أوصى مبعوثه بـ «الإصغاء» للأطراف. أخذ على واشنطن أنها كانت دوماً «تبدأ بالإملاء»، عليهم. وأضاف بأنه لا يقوى «على فرض ما يراه انه الأنسب للفلسطينيين والإسرائيليين». هذا كلام فيه كثير من المغالطات والتمويه. فهو يحجب الاحتلال. كما يحجب تهرّب إسرائيل من السلام. العدوان على غزة شاهد آخر. أيضاً، هو ينكر أن واشنطن قادرة على ليّ ذراع إسرائيل.؛ لينأى بنفسه عن لعب دور، من دونه لن تتزحزح إسرائيل نحو التسوية. إذا تابعت إدارة أوباما على هذا الأساس، فلن يكون ميتشل سوى «مبعوث» آخر.
