من أراد أن يقول الحق فلا يخشى فيه لومة لائم. هذا ما يؤمن به أي سياسي أو رجل دولة نزيه يرى الظالم أمامه قد افترى وتجبر، حتى ولو كان هذا الظالم صديقا أو شريكا أو حليفا.

فتركيا ؟ على سبيل المثال - حليف رئيسي لإسرائيل في المنطقة منذ توقيع اتفاق تعاون عسكري بينهما عام 1996، بل إنها أول دولة إسلامية تعترف بالدولة العبرية وكان ذلك منذ 60 عاما دون أن تنتظر أكثر من عام على تأسيس الكيان الصهيوني. ورغم ذلك لم يتردد زعيمها رئيس الوزراء الرزين رجب طيب أردوغان، في أن ينطق بكلمة الحق ويعري الصديق الإسرائيلي حتى بعد أن توقفت آلة القتل الإسرائيلية عن مواصلة المجازر ضد الفلسطينيين.

في منتصف الأسبوع الماضي قال صراحة «لا يمكن السكوت عمن صمتوا إزاء ما حدث في غزة، فالمذابح التي تعرض لها الأطفال ليست شأنا عربيا او إسلاميا فقط، انما جرح عميق في ضمير الإنسانية جمعاء». وشكك في نوايا إسرائيل السلمية، قائلا ان العدوان على غزة زرع بداخلنا جميعا شكوكا قوية تجاه جدية إسرائيل ونزعتها نحو تحقيق السلام. ثم أضاف «انا مؤمن بان الغرب سيحاسب نفسه ويراجع موقفه بعد تجاوز هذه الازمة».

من يجرؤ أن يقول مثل هذا الكلام من بني العروبة المسؤولين عن مقدرات أمة يتآكل صرحها وبنيانها ويتهاوى أمنها القومي بسبب تراخيها عن قول الحق والدفاع عن كل ما يسلب منها حقوق؟!

الموقف التركي من الحرب الإجرامية على الشعب الفلسطيني في غزة، خير وأفضل ألف مرة من مواقف دول عربية كانت تحرص على «الامساك بالعصا من النصف»، بل إن منها من راح يلقي بالمسؤولية على المقاومة الفلسطينية ويطلق سهام الاتهامات والافتراءات عليها، ناسيا أو متناسيا، إن المقاومة حق مشروع كفله القانون الدولي، بل إنها ورقة التوت التي تستر عورات المستسلمين المتخاذلين عن حقوق الأمة.

الموقف التركي ليس جديدا ولا مستغربا. فسبق لنفس رجل الدولة النزيه أردوغان، أن دعا صراحة ـ خلال الحرب على غزة ـ إلى طرد إسرائيل من الأمم المتحدة بسبب عدم التزامها بقرار مجلس الأمن الأخير رقم 1860 لمواصلتها العدوان بعد صدوره. وقال «كيف يسمح لبلد لا يلتزم بقرارات المجلس أن يدخل باب الأمم المتحدة؟». بل وقبل سنوات وصف جرائم حكومة السفاح أرييل شارون ضد المدن والقرى الفلسطينية بأنها «إرهاب دولة».

إنه موقف رجل دولة لا يخشى في الحق لومة لائم، رغم ارتباطات بلاده باتفاقات تعاون أمني وعسكري واستراتيجي واقتصادي مع إسرائيل. وما يقوله ليس تهاونا في مصالح بلده. لم يرتجف أو يرتعش أو يتردد وهو يرى ما رآه ورأيناه في غزة.

نحن الذين ارتجفنا وترددنا وصمتنا عن قول الحق واكتفينا بمشاطرة الشقيق الغزاوي آلامه بكلمات العزاء. وهذا ما دفع من لم يطلع على الحقيقة إلى أن ينطق بالباطل، إلى درجة أن بحثا ميدانيا أجرته شبكة سي إن إن كشف عن أن معظم الأميركيين أبدوا المزيد من التعاطف تجاه إسرائيل وليس الفلسطينيين خلال الحرب على غزة!

صمتنا عن الدفاع عن حقوقنا المغتصبة وعدم وجود أي تحرك إعلامي وسياسي عربي فعال للترويج لمشروعنا السلمي الذي جعلناه «خيارنا الاستراتيجي»، يتيح للآخرين أن يرتعوا ويفعلوا ما يحلو لهم، مادام صاحب الحق غائب ولايجرؤ على قول الحق.

hassaber@gmail.com