من المفترض في الأمين العام للأمم المتحدة أنه صوت الضمير العالمي ولسان حال المجتمع الدولي، والمقصود بذلك ليس مجتمع الكبار أو الصفوة المهيمنة على مقدرات الأقل قوة والأكثر ضعفا ، بل مجمل الرأي العام العالمي. فهل يتوافر ذلك في الأمين الحالي بان كي مون ذلك الدبلوماسي الكوري الذي تكشف ملامح وجهه عن طيبة وحسن خلق؟
بان مثله مثل سلفه كوفي عنان مغلوب على أمره في عصر يحكمه القطب الأوحد وتكال فيه الحقائق بمكيالين ويميل فيه ميزان العدالة لخدمة مصالح الكبار. ولعل مسيرة الغضب التي شهدتها العاصمة اللبنانية في الأيام الأخيرة من الحرب الإجرامية التي شنتها إسرائيل على أهالي غزة تكشف هذه الحقيقة التي عبر عنها قطاع من الرأي العام الدولي ممثلا في شعب لبنان. إذ حمل المتظاهرون دمية تمثل كي مون يحمل ميزان العدل مع كفة مائلة إلى الأسفل عليها نجمة داوود رمزا لإسرائيل، وكفة في الأعلى تحمل صورة لطفلة فلسطينية مدماة من ضحايا مذابح غزة.
كما حملوا صورا أخرى له احداها كتب عليها «كيف يرى بان كي مون الحقيقة؟» ومعها علم إسرائيل ملصق على احدى عينيه وعلم أميركي على العين الأخرى. وأحرقوا دمية تمثل كي مون ومعها العلم الإسرائيلي. علاوة على ذلك، رفعت لافتة كبيرة سوداء عليها جماجم وتحمل عبارة«ألا تكفي الجماجم وأعداد الشهداء لتطبيق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة»؟
كلمة الجماهير تعبر عن الحقيقة ، ولا تسيء لشخص الأمين العام، وإنما تعري الأمم المتحدة، وما كي مون إلا رمزا لتلك المنظمة التي نادرا ما أنصفت صاحب حق أو ردعت ظالما، وخير دليل على ذلك عجزها عن حسم القضية الفلسطينية وتطبيق آلية تلزم بتنفيذ القوانين التي صدرت بشأنها على مدى ستة عقود.
كي مون، من المفترض أن يكون منصفا ويطبق ما ألزمه به ميثاق الأمم المتحدة الذي يخول له أن ينبه مجلس الأمن إلى أية قضية يرى أنها تهدد السلام والأمن الدوليين. ويبدو أنه لحفظ ماء وجه الأمم المتحدة، زار غزة في إطار جولته للمنطقة. ولكن الزيارة لم يكن الهدف منها مشاطرة أهالي القطاع آلامهم التي سببها قتلة تل أبيب بقدر ما كان الهدف أن يتابع ما حدث للأونروا ـ وكالة غوث اللاجئين ـ التي تعرضت منشآتها المدنية للقصف والتدمير.
طالب إسرائيل بمحاسبة المسؤولين عن قصف مبان ومدارس الأونروا التي كانت تستخدم كملاجئ ومخازن لإمدادات المعونة. ودعاها إلى إجراء تحقيق كامل من جانب إسرائيل وتقديم تفسير تام لضمان عدم تكرار هذا العمل مطلقا ـ على حد تعبيره. ولكي يبدو أمام الدولة العبرية منصفا، زار بان بلدة في جنوب «إسرائيل» تعرضت لصواريخ المقاومة الفلسطينية، ووصف إطلاق الصواريخ الفلسطينية على الدولة اليهودية بأنه مروع!
كان على كي مون أن يقول صراحة إن ما حدث في غزة جرائم حرب وأن يتمسك بتحقيق دولي شامل عن جرائم إسرائيل ويحذو حذو الأمين العام الأسبق بطرس غالي الذي كان له موقف تاريخي مشرف من مذبحة قانا 1996 . إذ أصر على عرض تقرير لجنة تقصي الحقائق الدولية بشأن المذبحة علي مجلس الأمن ونشره كوثيقة دولية تدين إسرائيل إدانة كاملة. صحيح أن غالي دفع ثمن ذلك بأن حرمته أميركا من التجديد لفترة ثانية ، إلا أن موقفه سجله التاريخ في صفحة بيضاء. بل قال فيما بعد أنه نادم لعمله أمينا للأمم المتحدة بعد أن اكتشف أن الولايات المتحدة تسيطر على إدارتها.
حسن صابر
