انتهت آلة الحرب العسكرية الإسرائيلية من أداء مهمتها في قطاع غزة ،المحاصر منذ ما يقرب من عامين، وسحبت قواتها بعد أن قضت على الأخضر واليابس، وعادت القوات الإسرائيلية بعدما أنهت مهمتها في قتل النساء والأطفال والشيوخ ورجال الإسعاف والدفاع المدني والصحافيين وبلغ عدد القتلى أكثر من 1330 قتيلاً نصفهم من النساء والأطفال والشيوخ والمصابين أكثر من 5700 مصاب.

انتهت آلة الحرب الإسرائيلية الجهنمية من أداء مهمتها في قطاع غزة بعد ثلاثة أسابيع من التدمير والقتل، ولم تكتف إسرائيل بتفوقها الكبير في الأسلحة التقليدية وعدم وجود أي مقارنة بين رابع قوة عسكرية على العالم وبين شعب أعزل محاصر فانطلقت توغل في استخدام الأسلحة المحرمة والمحظورة دولياً مثل الفوسفور الأبيض واليورانيوم المخصب والقنابل العنقودية وما خفي كان أعظم.

ليس هذا فحسب بل قامت باستخدام آلتها العسكرية بشكل مفرط في استهداف المدنيين والمساجد والمستشفيات ومقرات الأمم المتحدة وسيارات الإسعاف، وهو ما خلق دعوات دولية كثيرة تطالب بمحاكمة قادة إسرائيل كمجرمي حرب وهو ما تبناه قادة الدول العربية تبنوا ذلك خلال القمة العربية الاقتصادية والتنموية والاجتماعية الأخيرة بالكويت ما فسره البعض بتغير واضح في توجه القيادات السياسية العربية رغم ضعفه.

إمكانية المحاكمة

ووسط المحرقة الإسرائيلية في غزة، تساءل كثيرون عما إذا كان يمكن محاكمة هؤلاء المجرمين الإسرائيليين سواء السياسيين أو العسكريين كمجرمي حرب خاصة وأن القانون يسمح بهذا سواء أمام المحاكم العربية أو الأوروبية أو الأميركية أو المحكمة الجنائية الدولية؟

من جهته أكد أستاذ القانون الدولي ورئيس اللجنة التشريعية بمجلس الشورى «الغرفة الثانية للبرلمان المصري» الدكتور شوقي السيد أن جرائم الحرب معروفة ومحددة وفقاً لقواعد القانون الدولي ومن بينها القيام بأعمال من شأنها ارتكاب الإبادة الشاملة أو التطهير العنصري أو استخدام أدوات قتال وأسلحة وذخيرة محظورة ومحرمة دولياً مثل القنابل العتقودية أو اليورانيوم المخصب أو الفوسفور الأبيض أو التعامل مع المدنيين دون تمييز.

وأشار إلى أن كل ذلك يستوجب تقديم مرتكبيها للمحاكمات الدولية باعتبارها خرقاً لمبادئ القانون الدولي والإنساني وانتهاكاً للمواثيق والأعراف الدولية سواء كانت الدولة موقعة عليه أو غير موقعة على اعتبار أنه خرق لقواعد القانون الدولي التي تحكم العلاقات الدولية في الحرب والسلم .

جريمة في أبشع صورها

وقال إن هذا الخرق يمثل جريمة يجب أن تساءل عليها دولياً أمام المحكمة الجنائية الدولية أو المحاكم ذات الاختصاص أو المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة ومنظمات التابعة لها». وأضاف: ان ما حدث في قطاع غزة من اعتداءات إسرائيلية على الشعب الفلسطيني الأعزل يعد جريمة حرب في أبشع صورها وخاصة فيما يتعلق بالاعتداء على المدنيين دون تمييز واستخدام الأدوات الأسلحة والذخائر المحظورة دولياً وبشكل مفرط ». وأشار إلى إمكانية حصول مؤسسات ومنظمات حقوقية دولية وعربية على أدلة الإدانة الدامغة ضد إسرائيل سواء من خلال فحص الأماكن التي استهدفتها إسرائيل في غزة أو بفحص المرضى والمصابين في مصر وغزة وكذلك القتلى.

وحول إمكانية معاقبة إسرائيل رغم عدم توقيعها هي والسلطة الوطنية الفلسطينية على اتفاقية جنيف 1949، قال الدكتور شوقي السيد : إن كثيراً من الجهات تستطيع محاكمة إسرائيل على جرائمها نظرياً ولكن من الناحية العملية فإن القوة والغطرسة والمصالح وأعمال التسويف والضغوط كل ذلك قد يغلب القانون الدولي والمواثيق والأعراف الدولية ويجعل المجرم مجنياً عليه والمجني عليه متهماً ما لم يتم تغيير نظام التصويت في مجلس الأمن وسيظل الفيتو حجر عثرة أمام إصلاح النظام العالمي وإعطاء الحقوق لأصحابها والانتصار للضعفاء ، وإذا لم يتم إعادة هيكلة الأمم المتحدة ومؤسساتها فلن يكون هناك جزاءات رادعة لمجرمي الحرب الإسرائيليين في ظل الأوضاع الحالية.

تعقب قادة إسرائيل

ومن جانبه، أكد رئيس اتحاد المحامين العرب سامح عاشور على أهمية اتخاذ الخطوات القانونية اللازمة لتعقب قادة إسرائيل دولياً وملاحقتهم قانونياً وجمع الأدلة والوثائق لإدانة قادة ومسؤولي الكيان الصهيوني المتورطين في جرائم الحرب في غزة. وشدد عاشور على أن اتحاد المحامين العرب يبذل جهوداً كبيرة بالتعاون مع نقابات المحامين في أنحاء الوطن العرب لجمع وتوثيق الأدلة والاتفاق مع المؤسسات والمنظمات الحقوقية لرفع عدد من القضايا على قادة الصهاينة في المحاكم ذات الاختصاص العام والتي من حقها النظر في مثل هذه الجرائم.

وتابع قائلاً: لا بد من تكاتف الجهود وحشد المتخصصين وإعداد غرفة عمليات لتنسيق الجهود وجمع الأدلة وتوثيقها وإعداد التحركات ومطالبة المنظمات الدولية ودفعها لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة ونشر الأدلة أمام الرأي العام العالمي وفضح أعمال الكيان الصهيوني»، مؤكداً أهمية أن تتكاتف الدول جميعاً في ذلك لأنها إذا لم تتحرك فسوف يأتي عليها الدور ويفعل بها كما فعل بغزة.

وأشار إلى وجود سوابق كثيرة لمحاكمات مجرمي الحرب كما حدث في أعقاب الحرب العالمية الثانية وفي حرب يوغسلافيا السابقة ودارفور، إلا أن وجود المعايير المزدوجة والانتقائية في العلاقات الدولية يتطلب حشد الجهود الدبلوماسية والقانونية والبرلمانية والشعبية لتسويق الجرائم الإسرائيلية وكسب التأييد العالمي لمعاقبة مرتكبيها ونصرة ضحاياها.

ومن جانبه، أكد الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية لشؤون فلسطين والأراضي المحتلة السفير محمد صبيح علي أهمية تبني القادة العرب خلال قمة الكويت الاقتصادية في البيان الختامي الخاص بالأوضاع في غزة باتخاذ الإجراءات اللازمة لتعقب قادة إسرائيل في المحافل الدولية ومعاقبتهم كمجرمي حرب . وقال صبيح : إنه ليس فقط الجامعة العربية المطالبة باتخاذ الخطوات اللازمة لملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين باعتبارهم مجرمي حرب، وإنما هناك مؤسسات كثيرة وخاصة فيما يتعلق بالمجتمع المدني لا بد أن تعمل على ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين».

وأضاف: انه فيما يتعلق بجامعة الدول العربية، فقد كانت هناك قرارات سابقة لوزراء العدل العرب وهناك لجنة قانونية مشكلة فعلياً لجمع وتوثيق الأدلة اللازمة لمحاكمة قادة إسرائيل وتعقبهم دولياً »، مشيراً إلى وجود أساليب كثيرة لتعقب مجرمي إسرائيل وسوف يتم الاستعانة بخبراء وأساتذة القانون من خلال ورش عمل مستمرة للبحث في كيفية التعامل مع الأزمة، ونحن مصرون على تعقب قادة إسرائيل وفضح جرائمهم ومحاكمتهم دولياً.

آليات عربية مطلوبة

ومن ناحيته، طالب سفير فلسطين المناوب بالقاهرة الدكتور بركات الفرا بأن يعقد وزراء العدل العرب، والذين لهم مجلس وزاري بجامعة الدول العربية ، دورة طارئة لمناقشة كيفية التعامل مع القضية ووضع الآليات اللازمة لتعقب قادة إسرائيل جنائياً وجمع الأدلة وتوثيق الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل في قطاع غزة سواء من خلال استهداف المدنيين العزل أو استخدام الفوسفور الأبيض واليورانيوم المخصب وأسلحة كثيرة غير متوفر معلومات حولها واستهداف مقرات الأمم المتحدة بالإضافة للمستشفيات والمدارس والمساجد ، وكل هذا يرقي بما لا يدع مجالاً للشك إلى جرائم الحرب.

ولفت الفرا إلى أن عدم توقيع إسرائيل والسلطة الوطنية الفلسطينية على اتفاق جنيف لا يحقق الأمان للكيان الصهيوني ولا يسقط حق الأبرياء في محاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين، فهذا لا يمثل عقبة أمام المضي في ملاحقة قادة إسرائيل دولياً، فليس إلزاماً أن تتولى السلطة الوطنية مقاضاة مجرمي الحرب الإسرائيليين وهناك جهات كثيرة تستطيع ذلك .

وأضاف الفرا : ان إسرائيل أيضاً لا تستطيع الإفلات من العقاب حتى وإن لم تكن موقعة على اتفاقية جنيف، وإلا فإن كل دولة مارقة لا توقع عليها أو تنسحب منها للإفلات من العقاب»، مشيراً إلى أن هناك وسائل كثيرة ومتعددة لتعقب مجرمي الحرب ومنتهكي القوانين والمواثيق والأعراف الدولية.

وحول ما إذا كانت هناك ضمانات معينة تضمن ألا تلحق جريمة غزة ما سبقها من جرائم إسرائيلية مثل جرائم جنوب لبنان وجنين وصبرا وشاتيلا ودير ياسين وغيرها من الجرائم التي دخلت طي النسيان بمرور الوقت، شدد الفرا على أن الضمانة الوحيدة لعدم إفلات إسرائيل أن يكون هناك موقف عربي حازم وحاسم وقوي من هذا الموضوع واستخدام كل الإمكانيات والقدرات لتعقب قادة الجيش الإسرائيلي، وإلا سنجد الكثيرين يقفون مع إسرائيل وفي مقدمة ذلك بالطبع الولايات المتحدة الأميركية .

وأضاف: ان هذا يعني ألا نقف كعرب عاجزين أو مشلولين وأن يكون لدينا ثقة في قدرتنا على التأثير وإجبار الآخر على الانصياع وإعطائنا حقوقنا فقط إذا أردنا واستخدمنا قدراتنا وإمكانياتنا ودون ذلك فلا يجب أن ننتظر مساندة من أحد، فالأوروبيون مقتنعون بما ارتكبته إسرائيل في غزة إلا أنهم لا يقسون عليها.

وشدد على أن المهم في هذا الموضوع هو موقفنا نحن كأمة عربية وهل سنقف صفاً واحداً في مواجهة الخطر الإسرائيلي والحرص فعلياً على محاكمة قادة إسرائيل حتى لا تتكرر تلك الجرائم في دول وأماكن عربية أخرى؟ أم ستتنازع الأهواء والمصالح ويغني كل منا على ليلاه وننسى الجرائم البشعة التي ارتكبتها وترتكبها إسرائيل ونعطيها الفرصة الكاملة لارتكاب المزيد من الجرائم؟ معتبراً أن المشكلة ليست في القوانين والاتفاقيات الدولية ولا مواقف الدول الكبرى من إسرائيل، إنما المشكلة تكمن فينا نحن كعرب في تمزقنا وتفرقنا وإحساسنا بالضعف والاستكانة.

أركان الجريمة متوافرة

وبدوره ، يقول مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق الدكتور عبد الله الأشعل إن أركان جرائم الحرب متوافرة في القادة الإسرائيليين من قتلٍ متعمدٍ لأطفال ونساء وضرب منشآت مدنية في غزة عمداً من قِبل الطائرات الإسرائيلية مثل سيارات الإسعاف والطواقم الطبية والمساجد ومخازن الطعام والأدوية والوقود وكل موارد الحياة وكل هذه محمية بالقانون الدولي الإنساني.

وكشف الأشعل عن أن الإسرائيليين بادروا بالتحرك قبل العرب وقدموا مذكرة شكوى للأمين العام للأمم المتحدة ضد قادة حماس بحجة تهديدهم للسكان الإسرائيليين بصواريخهم الإرهابية في حين لم تتحرك الدول العربية أمام محاكم محلية أو محاكم دولية «الجنائية الدولية» أو حتى المحاكم الأميركية والأوروبية العادية التي تقبل هذه القضايا.

وأشار الأشعل الى أن هناك جهات يمكنها تقديم مذكرات محاكمة واعتقال عن جرائم الحرب الإسرائيلية أمامها وهي ،المحاكم المحلية العربية والمحكمة الجنائية الدولية عبر تحريك المدعي العام للمحكمة لويس مورينو أوكامبو الدعوى ضدهم بناء على شكاوى عربية، وأيضا المحاكم الأميركية والأوروبية الاعتبارية، وهي مفتوحة أمام إدانة القادة الإسرائيليين على غرار ما حدث في محاكم بلجيكية وبريطانية في عام 2002.

ولفت الى أنه يمكن محاكمة القادة الإسرائيليين السياسيين والعسكريين وحتى الجنود أمام هذه المحاكم، بتهم ارتكاب جرائم حرب لو تمت معرفة أسماء بعض مَن يشاركون منهم في جرائم حرب غزة، لأن المحاكمة فردية. ومن جانبه، طالب محافظ القاهرة الدكتور عبدالعظيم وزير، وهو أستاذ للقانون الجنائي، بضرورة توثيق الانتهاكات وجرائم الحرب التي حدثت أثناء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وعدم الاكتفاء بالإدانة الصحافية أو السياسية، وقال : إن التوثيق يعد الأداة القانونية والقضائية المعترف بها أمام القضاء الجنائي الدولي».

ودعا «وزير» الى توثيق هذه المجازر توثيقا دقيقا تمهيدا لمحاكمة مجرمي الحرب الذين قاموا بكسر كافة القوانين الدولية من حصار مدن وتخريبها واستخدام الأسلحة المحرمة وضرب القوافل الطبية ومنع المساعدات وقصف الأماكن والمقار المحمية دولياً باتفاقات وقرارات الأمم المتحدة. وقال : إنه في مثل هذه الحالات يستغرق التوثيق عشرات المجلدات المعززة بالصور والشهود والأماكن والشهادات والمواقع سواء كانت شهادات شخصية أو حتى كاميرات الإعلام». وأضاف: أن ما وقع في غزة بصفة خاصة يشكل انتهاكات لاتفاقيات جنيف الأربع والبروتوكولين الملحقين بهم والتي تؤكد على تجريم الحصار إذا وقع على مدنيين أو الاستخدام المفرط للقوة وضر المدنيين.

القاهرة ـ «البيان»