جون قرنق هو واحد من كبار زعماء الحركة الوطنية السودانية، ليس في الجنوب وحسب، بل في السودان على وجه العموم. صحيح أنه نشأ وطنياً جنوبياً، يدافع عن حقوق أهل الجنوب، الذين كانوا على الدوام عرضة للاضطهاد وللإذلال، سواء في المرحلة الأولى التي سبقت استقلال السودان، المرحلة التي كان هذا البلد يحكم في صورة مشتركة من قبل البريطانيين والمصريين، أم في مرحلة الاستقلال التي بدأت في عام 1956.
والوطنية، بالنسبة إلى جون قرنق، تتلخص في أمور ثلاثة: استقلال السودان وسيادته وحريته، ووحدة أرضه وشعبه وكيانه الوطني، وتعدد وتنوع مكونات شعبه، قومياً وعرقياً ودينياً. هذه الأمور الثلاثة مجتمعة كانت الأساس والثابت في نشاطه السياسي، حتى وهو يقود ببسالة جيشاً شعبياً للدفاع عن حقوق أهله في الجنوب، ولرفع الظلم والاضطهاد والتمييز ضدهم.
ظلت السياسة التي يؤمن بها قرنق مرافقة له على الدوام في عمله السياسي والعسكري. وكانت هاجسه الدائم خلال المفاوضات الصعبة والطويلة والمعقدة التي انتهت بتوقيع اتفاق السلام بين السلطة المركزية وبين الحركة الشعبية التي كان يقودها. وقد خلقت له تلك السياسات متاعب في منطقة الجنوب، عند بعض القبائل وعند الحركات السياسية التي كانت تمثلها، والتي كانت تطالب بالانفصال عن الشمال، وبتشكيل كيان مستقل في منطقة الجنوب.
كما خلقت له تلك السياسات متاعب في قلب الحركة الشعبية بالذات. إذ عارضها فريق من رفاقه ممن ضاقوا ذرعاً بالمماطلات وبالمؤامرات وبالانقلابات الدائمة على الاتفاقات من قبل الحكومة المركزية. إذ كان يفضل هؤلاء الذهاب في الانفصال والاستقلال إلى نهايته.
لكن قرنق، إذ كان يملك قدراً كبيراً من سعة العقل ومن الوطنية السودانية الأصيلة، وقف بحزم في وجه تلك المعارضات لسياسته. وكلفه ذلك ثمناً باهظاً، ودماً سودانياً، ودماً جنوبياً على وجه الخصوص، في المعارك التي خاضها ضد تلك الاتجاهات الانفصالية.
لهذه الأسباب جميعها، ولكونه ظل أميناً لسياسته الرشيدة تلك، تمكن من انتزاع اتفاق السلام الذي أقر للجنوبيين بحقوقهم كاملة، وجعلهم شركاء حقيقيين في حكم السودان، وفي العمل من أجل حريته وتقدمه وسعادة شعبه.
وبدلاً من أن يوافق رفاقه المعارضين لسياسته تحت شعار حق تقرير المصير، واختيار الانفصال فوراً، فضل قرنق الذهاب في الاتفاق إلى نهايته، وإلى نهاية المرحلة الانتقالية، التي يفترض بعدها أن يتم استفتاء شعبي يقرر فيه الجنوبيون مصيرهم ومستقبلهم، إما في البقاء داخل الوطن السوداني الموحد، أو بالانفصال وبناء كيان مستقل لهم.
