كان قرنق يراهن على أن المرحلة الانتقالية ستساهم في تعميق اندماج الجنوبيين في الوطن السوداني، بمكوناتهم القومية والدينية، فيقررون عند ذاك البقاء في الوطن الموحد، الذي سيكونون فيه شركاء حقيقيين في كل ما يتصل بحاضر بلدهم ومستقبله.

وكان يعمل، من خلال موقعه كنائب أول لرئيس الجمهورية بموجب اتفاق السلام، ومن خلال تحالفاته السياسية في التجمع الوطني الديمقراطي الذي ضم القوى المعارضة لحكم الجبهة الإسلامية، في البدء، ثم لحكم البشير بعد انفصال الترابي عنه، كان يعمل بكل إمكاناته في الاتجاه المشار إليه.

وكان يقيم للحركة الشعبية أنصاراً وقواعد في كل مناطق البلاد. إذ كان يعتبر أن ذلك سيجعل الجنوبيين يشعرون بأن مداهم الحيوي كجزء من الشعب السوداني، لا ينحصر في الجنوب وحسب، بل هو يتعداه إلى كل مناطق السودان، وأقاليمه، في الشمال والشرق والغرب، على حد سواء.

لكن قرنق، القائد الجنوبي، كانتماء إلى منطقته، والقائد الوطني، كسوداني أصيل، غادر الحياة فجأة، وفي شكل مثير للشكوك وللريبة. قيل إن الطائرة التي أقلته في ذات ليلة من أوغندا إلى جوبا، عاصمة الجنوب، سقطت في الطريق، بسبب كثافة الغيوم وسوء الطقس. غادر قرنق الحياة في أول الطريق إلى حرية الجنوبيين وحقوقهم، وإلى حرية السودان، وإلى وحدته ووحدة شعبه.

وطرح رحيله المبكر والمفاجئ الكثير من الأسئلة. وكان أهم تلك الأسئلة يتصل بتحديد من هو صاحب المصلحة في غيابه، أو تغييبه. ورغم أن الجواب عن تلك الأسئلة لم يكن واضحاً، ولا مقنعاً، فقد ساد اعتقاد بأن سقوط طائرة قرنق كان، في الأعم الأغلب، مؤامرة هدفها التخلص منه، من أجل ماذا أو لصالح من بالتحديد، على مستوى السلطة المركزية، وداخل الجنوب بالذات؟ ذلك هو السؤال الذي لا أستطيع أن أدخل في متاهات البحث عن جواب بشأنه. لكن من الواضح أن غياب قرنق كان خسارة كبيرة، في هذا الوقت بالذات، رغم أن ورثته ظلوا أمناء لسياسته ولمواقفه ولخياراته.

النشأة

ولد جون قرنق دي مبيور في عام 1945، في مبيور الواقعة بالقرب من مدينة بور في ولاية أعالي النيل. وهو ينتمي إلى قبيلة الدينكا. أنهى المراحل الأولى من دراسته في منطقته. ومارس العمل مثل سائر أبناء منطقته في رعية الماشية التي تملكها أسرته. انتقل في وقت مبكر إلى الخرطوم حيث عمل خفيراً في الهيئة القومية لشركة الكهرباء.

ومن الخرطوم انتقل للعمل في منطقة النيل الأزرق. لم يكمل المرحلة الثانوية من دراسته في منطقة رومبيك، بسبب اندلاع الحرب في جنوب السودان. التحق في عام 1963 بحركة تحرير جنوب السودان التي أطلقت على نفسها اسم «نيانيا»، التي تعني ترياق سم الثعبان، وذلك بعد عام على تأسيس تلك الحركة.

وكانت تلك الحركة تضع في رأس أهدافها انفصال الجنوب عن الشمال، لتحرير أهله من الاضطهاد الذي كانوا يعانونه من أهل الشمال. تابع دراسته الثانوية في مدارس تنزانيا. وبعد الانتهاء من تلك المرحلة من دراسته في عام 1965، انتقل إلى كينيا ليعمل مدرساً في إحدى مدارسها.

وحين قررت عائلته أن يتابع دراسته الجامعية أرسلته إلى جامعة أيوا في الولايات المتحدة الأميركية لتلقي تعليمه الجامعي فيها. وفور انتهاء دراسته عاد إلى السودان ليشارك مع رفاقه وإخوانه في الحرب داخل قوات حركة «نيانيا» المشار إليها، والتي كان قد انتسب إليها قبل سفره إلى الولايات المتحدة الأميركية في عام 1972، وفي أعقاب الاتفاق الذي وقعه النميري، رئيس السودان في ذلك التاريخ، مع الحركة، الاتفاق الذي استوعبت فيه قوات «نيانيا» الجنوبية في الجيش السوداني.

أرسل جون قرنق من جديد إلى الولايات المتحدة الأميركية في بعثة رسمية لنيل شهادة الدكتوراه في الاقتصاد الزراعي في جامعة أيوا ذاتها التي كان قد درس فيها قبل ذلك. عاد في عام 1981، بعد انتهاء دراسته، ليعمل في مركز الأبحاث العسكرية التابع للجيش السوداني، برتبة عقيد وليمارس التدريس، في الوقت ذاته، في كلية الزراعة في جامعة الخرطوم. في عام 1983 حصلت انتكاسة في الاتفاق الذي كان قد وقع في عام 1972. إذ عادت السلطات تمارس الأساليب القديمة في التعامل مع أهل الجنوب.

أدى ذلك الوضع إلى حصول تمرد داخل الجيش السوداني قامت به كتيبة مؤلفة من 500 من الضباط والجنود الجنوبيين. وسارع المتمردون إلى تشكيل تنظيم مسلح أطلقوا عليه اسم «الجيش الشعبي لتحرير السودان». أرسلت الحكومة المركزية الضابط جون قرنق لإخماد التمرد. فانضم إلى المتمردين وصار يتدرج في قيادة الجيش الشعبي إلى أن أصبح في فترة وجيزة زعيم تلك الحركة.

وانقطعت، منذ ذلك التاريخ، علاقته بالخرطوم. ولم يعد إليها إلا بعد توقيع اتفاق السلام في عام 2005. وبقيادة قرنق للحركة تحولت السياسة التي كانت متبعة فيها، والتي كانت تنادي بالإنفصال، إلى اتجاه آخر مختلف. إذ كانت وجهة نظر قرنق أن قضية الجنوب هي جزء من قضية السودان، وأن أزمة الجنوب هي جزء من الأزمة العامة في البلاد، التي كانت تعيش فيها منذ مطلع عهد الاستقلال في عام 1956.

واقتضى ذلك منه جهداً كبيراً. لكنه انتصر في تبديل شعار الانفصال إلى شعار وحدة السودان، التي تقوم، أو ينبغي أن تقوم، على أسس ومرتكزات جديدة، في مقدمتها اقتسام السلطة والثروة بين المركز والأقاليم، اقتسام يستند إلى العدالة والقانون. وكان من الطبيعي أن تبحث الحركة بقيادة قرنق عن تحالفات في بلدان جوار السودان لكي تتمكن من متابعة كفاحها وتحقيق الأهداف المشار إليها.

وكان أول المتحالفين مع الحركة ورئيسها قرنق، الرئيس الأسبق لأثيوبيا منغستو هيلا مريم، الذي قدم للحركة المساعدات على اختلافها، بما في ذلك إقامة إذاعة كانت تبث منها الحركة في اتجاه السودان كله بياناتها وتطلق مواقفها.

في عام 1985 هبت انتفاضة في الخرطوم أطاحت حكم النميري وأقامت حكماً وطنياً في البلاد. وخلال الفترة الممتدة بين عام 1985 وعام 1989، العام الذي استولت فيه الجبهة الإسلامية على السلطة في البلاد بانقلاب عسكري دموي، خلال تلك الفترة من الحكم الوطني توطدت علاقات الحركة الشعبية بأحزاب المعارضة في الشمال.

وفي عام 1992 انضمت الحركة الشعبية بقيادة قرنق إلى التجمع الوطني الديمقراطي الذي ضم أحزاب المعارضة، ولا سيما القوى الديمقراطية منها (الشيوعيون واليساريون من اتجاهات مختلفة). لكن انقلاب الجبهة الإسلامية أعاد التوتر في البلاد من جديد، وعادت في ظل تلك الظروف الحركة الشعبية إلى متابعة كفاحها السياسي والعسكري.

وفي عام 1992 انضمت الحركة الشعبية بقيادة قرنق إلى التجمع الوطني الديمقراطي الذي ضم أحزاب المعارضة. وصار قرنق، بعد انضمامه إلى التجمع في عام 1992، نائباً لرئيس التجمع الميرغني وقائداً عاماً للقوات المسلحة التابعة للتجمع. تلك هي مسيرة هذا الزعيم الوطني الكبير، التي انتهت بكارثة سقوطه شهيداً في ذلك الحادث الذي لا بد أن يأتي اليوم الذي تتكشف فيه تفاصيل حدوثه والأهداف التي كانت وراءه.

عناوين اساسية

إلا أن لهذه السيرة عناوين أساسية تعبر عنها مواقفه في مختلف القضايا المتصلة بوطنه السودان، لا يجوز أن ننهي هذا الحديث عنه من دون العودة إليها، والتذكير بالأساسي منها. وهي مواقف جمعها الواثق كمير في كتاب صدر قبل استشهاد قرنق، وجاء معظمها في أحاديث ومؤتمرات صحفية وحوارات أجراها هذا الزعيم خلال زيارته إلى القاهرة في عام 1997.

يقول قرنق في الفصل الأول من الكتاب المشار إليه: «أود أن أطرح رؤيتنا، رؤية الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان، الطريق الذي نرى أنه سيقودنا إلى الأمام. وأعتقد أنه نفس اتجاه التجمع الوطني الديمقراطي. وسمينا هذه الرؤية رؤية السودان الجديد. وهي ترتكز على تحليل علمي للأوضاع وتستند على تقويم متماسك لها في واقعنا التاريخي والمعاصر معاً. وأنا لا أفتعل هذه الأشياء، فهذه حقائق. هذا هو الموجود فعلاً، ولا بد من تأسيس السودان الجديد على الواقع وليس على الخيال».

ويتابع قرنق: «الوحدة التي نتحدث عنها في الحركة الشعبية، وأتمنى أن يكون هذا ما نتجه نحوه في التجمع الوطني الديمقراطي، هي نوع جديد من الوحدة. لا يمكن أن نكون قد حملنا السلاح ودخلنا الأحراش، في عام 1983، لنأتي بوحدة تضطهدنا. فهذا ليس طبيعيا، ولم يكن يمكننا أن نفعل ذلك. فالوحدة التي ننادي بها مختلفة تماماً. وهي ليست نفس الوحدة التي يتحدث عنها الآخرون»

حول معنى الوحدة

ثم يقول في مكان آخر مخاطباً القوى الأخرى والسلطة:« فما هو الفرق بينهما؟ نقول له: هناك عالم من الفرق بين الاثنين، فالوحدة التي نعنيها تقوم على واقعين، أولهما أسميه الواقع التاريخي أو التنوع التاريخي، والثاني أطلق عليه التنوع المعاصر أو الواقع المعاصر.

هذان التنوعان أو الواقعان يمثلان عناصر تكويننا وتشكيلنا ولا بد من تأسيس الوحدة بينهما. فالأساس الأول للوحدة هو التنوع التاريخي. فكتب العصور القديمة، بما في ذلك الكتاب المقدس، زاخرة بذكر السودان، إذ كانت تحمل اسم كوش أو السودان أو مصر، وأنا لا أختلق هذه الأشياء...» ويتابع في شرح حقيقة التنوع والتعدد في السودان فيقول:«الشكل الآخر من التنوع هو التنوع المعاصر.

يتكون السودان من قوميات متعددة، من مجموعات إثنية متعددة، أكثر من 500 مجموعة تتحدث أكثر من 100 لغة مختلفة، ومن قبائل كثيرة. هذا هو الموجود وأنا لم أختلقه. فالدناقلة ما زالوا يتكلمون ب«الدنقلاوي» والبجة ظلوا يتحدثون بلغة البجة. وحدث لي شئ غريب عندما ذهبت إلى شرق السودان، في منطقة همشكوريب، لأتفقد قواتنا الموجودة هناك.

كنت أخاطب شباب البجة، وهم لا يعرفون العربية إنما يتكلمون لغة البجة فقط، وأنا قادم من الجنوب وأتحدث معهم بالعربية، فكان لا بد من الاستعانة بمترجم، كالدكتور الواثق وهو معي الآن ليترجم حديثي من اللغة العربية إلى لغة البجة. هذا هو التنوع المعاصر. فنجد العديد من القبائل، مثل الدينكا، النوير، الشلك، الزاندي، اللاتوكا «الفرتيت» المورلى وغيرها من القبائل.

وفي الشمال أيضاً، توجد قبائل كثيرة غير عربية، فهناك النوبة، افور، الزغاوة، المساليت، والعديد من القبائل العربية، كالبقارة، الكبابيش، الرزيقات، الجعليين وغيرهم. لدينا كل هذه القبائل وغيرها.... ولدينا أديان مختلفة. فهناك المسلمون، وهناك المسيحيون وأصحاب المعتقدات الأفريقية. أما مفهوم الإله الواحد فهو شائع بغض النظر عن دين الفرد. فالدينكا، مثلاً، يؤمنون بإله واحد، يسمونه نيالج (Nhialic)، ويشيع مفهوم الإله الواحد أيضاً وسط كل القبائل الأخرى.

إذ ينطبق هذا على النوير والشلك كما ينطبق على القبائل الأخرى في جنوب السودان. إذن، لدينا أديان مختلفة كلها متعايشة منذ زمن بعيد، باختصار، هي الإسلام، والمسيحية والديانات الأفريقية التقليدية». ويؤكد قرنق في نهاية حديثه عن التنوع والتعدد بالقول بوضوح بأن السودان الذي يريده هو السودان كوطن لجميع السودانيين، الوطن الموحد والمرتكز في وحدته على هذين التنوع والتعدد، التاريخي منهما والمعاصر. ويشير، في هذا الصدد، إلى أن السودان القديم، السودان الذي رافق الاستقلال قد انتهى بانقلاب الجبهة الإسلامية.

فهو إذن سودان قديم تجاوزه الزمن، ولن يعود. وهناك سودان الجبهة الإسلامية، الذي لا يمكن أن يكون هو السودان الذي يريده الشعب السوداني. السودان الجديد هو السودان الذي تتحقق فيه وحدة الشعب السوداني، بكل مكوناته المتنوعة والمتعددة، في ظل نظام ديمقراطي يحقق للوطن الاستقلال والسيادة، وللشعب الحرية والعدالة الاجتماعية.

هذه المواقف التي ذكرنا ببعض نماذج فيها في حديث قرنق هي التي تؤكد الجوهر الديمقراطي لفكر وسياسة هذا الزعيم الكبير الشهيد، الذي يفتقده السودان في المنعطف الكبير من تاريخه المعاصر. وهو منعطف حافل بالمآسي، وبالتدخلات الخارجية، وباللعب من قبل أصحاب المصالح الضيقة بمصير السودان وبمصير شعبه.

ربما يكون من المفيد، ونحن نتحدث عن جون قرنق وعن حركته وعن سيرته وعن مواقفه وعن استشهاده، أن نذكر القارئ ببعض جوانب من تاريخ السودان الحديث. دخل السودان تحت السيطرة البريطانية في عام 1899 بعد القضاء على الثورة المهدية. دخل البريطانيون ودخل معهم المصريون، وشكلوا إدارة ثنائية، لكن بقرار أساسي للبريطانيين.

كان البريطانيون حريصين، منذ البداية، على الفصل بين الشمال والجنوب، لأهداف خاصة بهم، لعل أهمها الاحتفاظ في المستقبل بجنوب السودان تحت سيطرتهم، عندما تحين مرحلة حصول السودان على استقلاله. وقد أدى ذلك إلى إضعاف الوجود الشمالي في الجنوب. وتطبيقاً لتلك السياسة أنشأوا «الفرقة الاستوائية» داخل الجيش مشكلة من الجنود الجنوبيين حصراً. وحلت هذه الفرقة محل القوات الشمالية التي كانت ترابط في الجنوب. وكان ذلك في أواخر عام 1917.

وتبع ذلك التدبير سعي لإبعاد القوات المسلحة المصرية عن السودان. إلا أن الخروج النهائي للسودانيين الشماليين من الجنوب تم في عام 1930. وفي عام 1953 وقعت اتفاقية بين مصر وبريطانيا حول السودان، لم يتم أخذ رأي الجنوبيين فيها. واعتبر ذلك من قبل الجنوبيين إهانة لهم. فأعربوا عن احتجاجهم. ولم يتم الالتفات إليهم، الأمر الذي ظل يراكم مواقف الاحتجاج إلى أن حصل التمرد الذي قامت به «الفرقة الاستوائية» في الجيش السوداني المشكلة من الجنوبيين.

وهو التمرد الذي وقع في عام 1955، في الفترة التي كانت تجري فيها المفاوضات حول استقلال السودان الذي تم الاتفاق عليه في عام 1956. وكانت حركة التمرد تلك الإشارة الأولى، والشرارة الأولى، لانطلاق الحركة التي ظلت تتطور إلى أن أخذت اسم الحركة الشعبية لتحرير السودان، وكان بطلها جون قرنق، الذي قادها إلى الانتصار الأول لها في اتفاقية السلام.