اعتاد حملة الأقلام أن يصفوا غزة بأنها سجن مفتوح.. ولكن من يتابع أحوال السجناء في سجون العالم سيجدها أفضل من أوضاع سكان القطاع المحاصرين بأبشع آلة عسكرية في عصرنا الراهن. هذا ما عبر عنه مرارا شاهد الإثبات الأول على جرائم إسرائيل الذي عاش وسط سكان القطاع وهاله ما رآه وما يراه في تلك البقعة الفلسطينية المستهدفة والتي يعيش على أرضها أكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني.
شاهد الإثبات.. هو جون جينج مدير العمليات في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في قطاع غزة«الأونروا» التي أسستها الأمم المتحدة في أعقاب حرب 48. بحكم مهام وظيفته الدولية، يتولى تنفيذ برامج الإغاثة من أجل اللاجئين الفلسطينيين الذين فروا أو طردوا من منازلهم عند إعلان قيام الدولة العبرية.
جينج.. عاش كل فصول مأساة غزة الأخيرة بدءا من فرض الحصار الإسرائيلي الإجرامي عليها في صيف 2007، ونهاية بحرب الإبادة والتصفية الدموية التي مارسها قتلة بني إسرائيل على مدى الأسابيع الأخيرة. ما قاله.. يكفي لتقديم حكام إسرائيل إلى محكمة جنائية دولية على غرار المحكمة التي خصصت لمجرمي الحرب في البوسنة أو غيرها من المحاكم التي كانت أشهرها محكمة نورنبرغ التي عاقبت مجرمي الحرب العالمية الثانية.
قال جينج كشاهد إثبات على ما رآه، إن ما جرى في غزة عمل جنوني لم يشهد له التاريخ مثيلاً. وأطلق صرخة إلى حكام العالم خلال مؤتمره الصحافي الشهير الذي عقده في مستشفى الشفاء في ذروة المذابح. إذ صاح غاضبا «عليكم ألا تناموا وألا تشربوا وألا تأكلوا حتى توقفوا قتل الأبرياء في غزة.. جئتُ إلى مستشفى الشفاء لنقل الحقيقة لأنه لا يوجد في قطاع غزة صحافيون دوليون ليروا ما يجري».
طالب المجتمع الدولي أن يجيب في إطار القانون الدولي واتفاقية جنيف عن هذا التساؤل: «هل ما يحدث من قتل للمدنيين وقتل الأطفال جريمة حرب أم لا»؟ قبل حرب المجازر، تساءل جينج عن سبب معاقبة الاحتلال الإسرائيلي قطاع غزة قائلاً: «إن كان السبب الانتخابات التشريعية التي أتت بحماس، فإن نصف سكان غزة أطفال ولم يشاركوا في تلك الانتخابات فلماذا يعاقبون؟».
كثيرا ما أطلق جينج نداءات ودعوات إلى رموز المجتمع الدولي وعلى رأسهم الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ومفوضة الاتحاد الأوروبي بنيتا فيريرو وكافة قادة الدول الكبار لممارسة الضغط على إسرائيل لإنهاء العقاب الجماعي المفروض على غزة. قال مرارا وتكرارا: هناك مليون ونصف المليون مدني عالقون مسجونون من حقهم الحصول على الحماية وفق القانون الدولي الذي يؤكد على ضرورة وصول المساعدات الإنسانية خلال النزاع.
كان يقول إن ما يطالب به ليس فقط فتح المعابر للمساعدات الغذائية، وإنما فتح المعابر لعودة الحياة إلى شعب غزة السجين المحاصر. فبعد أن فرضت إسرائيل حصارها، عانت غزة من نقص الغذاء والوقود، ومخازن «الأونروا» صارت خاوية. ولكن لا حياة لمن تنادي.. كشف جينج عن كل معاناة غزة قبل الحرب الأخيرة، ولكن من بمقدورهم الضغط على إسرائيل.. ظلوا صما بكما.. يرون مشاهد المعاناة وكأن لا شيء يعنيهم.
جينج يطالب الآن بإجراء تحقيق دولي ومستقل في عمليات قتل المدنيين في قطاع غزة، ويقول إن من قام بأعمال القتل يجب أن يحاسب بالقانون والجميع مسؤول عن أفعاله حسب اتفاقية جنيف والقانون الدولي الذي يحمي المدنيين. هذا هو شاهد إثبات محايد لديه كل الحقيقة على ما حدث خلال أسابيع القتل وسفك الدماء، فهل هناك من يجيبه؟.
حسن صابر
