بعد ثلاثة أسابيع من عدوانها المتواصل على قطاع غزة، الذي أدى إلى مقتل قرابة 1300، وجرح أكثر من خمسة آلاف شخص، قررت إسرائيل، من جانبها وقفاً لإطلاق النار، بعد تجاهل ورفض تام للجهود الإقليمية، والأوروبية، والدولية الممثلة في الأمم المتحدة وأمينها العام، ومجلس الأمن الدولي فيها، التي بدأت عقب العدوان.

وأسفرت في الثامن من يناير عن صدور القرار 1860 عن مجلس الأمن الدولي، في الجلسة التي ترأسها وزير الخارجية الفرنسي برنارد كوشنير، الذي أعلن: «ون مجلس الأمن صوت بالأغلبية على مشروع القرار (الذي تقدمت به المملكة المتحدة)، وتم تبنيه، بأربعة عشر صوتاً مؤيداً، ودون أي صوت معارض، وامتناع صوت واحد فقط».

الصوت الواحد الذي امتنع عن التصويت على القرار، هو الولايات المتحدة، مع أن ما نص عليه لم يشر بأي صورة إلى إدانة إسرائيل ولا إلى انتقادها، بل نص على «الضرورة الملحة لوقف فوري ودائم لإطلاق النار في غزة، يحظى بالاحترام الكامل، ويفضي إلى الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من القطاع.. ودعا إلى تقديم المساعدة الإنسانية.. وتوزيعها دون عراقيل في جميع أنحاء غزة، كما رحب بالمبادرات الرامية إلى إيجاد وفتح معابر إنسانية لإيصال المعونات الإنسانية بشكل مستمر.

وفي نطاق الجهود الشاملة لوقف العدوان، والمأساة التي تترتب يومياً على استمراره، كان دور الولايات المتحدة، ومنذ البداية، رافضاً لوقف فوري لإطلاق النار، قبل أن تتوقف «حماس» عن إطلاق الصواريخ على إسرائيل، وفي أقل تقييم، كان الدور الأميركي داعياً إلى التأجيل والمماطلة، مجاراة لإسرائيل في تحقيق أهدافها المعلنة وغير المعلنة من العدوان. وكان متجاهلاً لكل الجهود العربية، والإقليمية التي كان لتركيا دور بارز فيها، وللجهود الأوروبية.

وهذا التجاهل الأميركي، لم يكن قبل صدور القرار فقط، بل بعد صدوره أيضاً. وفي الحديث عن الدور الأميركي السلبي، تجدر الإشارة إلى الدور الفرنسي، الذي أعطى الانطباع، عبر جهود الرئيس الفرنسي ووزير خارجيته، انه يدعو إلى صدور قرار عن مجلس الأمن بوقف فوري لإطلاق النار.

وفي هذا الشأن، أوضحت مصادر، شاركت في جلسة مجلس الأمن الدولي، التي تم خلالها تبني مشروع القرار 1860 وقالت لـ «البيان»: «إن الدور الفرنسي كما عبر عنه وزير الخارجية كوشنير كان أقرب إلى الموقف الأميركي، فقد ظل كوشنير، خلال المشاورات والمناقشات في الكواليس، التي سبقت تبني مشروع القرار، قريباً إلى الموقف الأميركي المعرقل.

وظل كوشنير يصر على المطالبة بإصدار بيان رئاسي عن مجلس الأمن، بدلاً من القرار 1860، ومعروف أن البيان أقل قوة ومفعولاً مقارنة بالقرار. وعندما جوبه كوشنير برفض عربي شديد، وكذلك من بعض أعضاء المجلس، تراجع عن موقفه، وتم تبني القرار».

مناورة فرنسية

ومن كلام المصدر المطلع، يتضح أن الجهود الفرنسية وان تتسم علناً بالابتعاد عن الموقف الأميركي، فإنها كانت وستظل تتكامل مع الموقف الأميركي، وهذا ما يتضمنه كلام الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في قمة شرم الشيخ (الأحد 18/ 1/ 2009) التي حضرها بالإضافة إلى فرنسا قادة كل من ألمانيا وأسبانيا وإيطاليا وبريطانيا وجمهورية التشيك، وتركيا والأمين العام للأمم المتحدة والأردن وفلسطين، وصاحب الدعوة للقمة الرئيس حسني مبارك بمتابعة الوضع في غزة، وتثبيت وقف إطلاق ودعم جهود الوساطة المصرية.

فقد قال: إن وقف إطلاق النار ليس إلا البداية، ولابد من الإسراع في الخطوات من أجل التوصل إلى إقامة الدولة الفلسطينية.. وهذه الإشارة لا تعني إلا شيئاً واحداً، وهو انتظار الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما لقيادة الجهود من أجل إحلال السلام في المنطقة. مما يعني أن فرنسا أدت دورها الرئيسي، في الأسابيع الثلاثة من عمر العدوان، وفي انتظار دور الولايات المتحدة، وهو دور لن يطرأ عليه أي تغيير جذري بالنسبة للصراع العربي ـ الإسرائيلي، رغم التغيير الذي وعد الرئيس أوباما، بأنه سيطال مختلف جوانب السياسات الأميركية الداخلية والخارجية.

ومن الجدير ذكره، انه عند الحديث عن الجهود الدولية، ممثلة في الأمم المتحدة، وحتى الجهود الأوروبية، لا يمكن اغفال دور الولايات المتحدة، ففي تقييم الدور والجهود الدولية، لوقف إطلاق نار فوري، يجمع المراقبون والمحللون، على أنه ومهما كان حجم الدور الدولي فإنه لا يمكن التعويل عليه، ليس حالياً، كما اتضح من معالجة العدوان الإسرائيلي، بل وعلى ما قد يستجد من جهود في المستقبل. لأن القول الحاسم في نهاية المطاف هو للولايات المتحدة، التي لم تخف، ولن تخفي، في عهد الإدارة السابقة، ولا في عهد إدارة أوباما الجديدة، دعمها المطلق لإسرائيل، والتزامها بحماية أمنها واستقرارها.

ويتضح عدم الفاعلية الكبرى للدور الأممي في انه ورغم مرور عشرة أيام على قرار مجلس الأمن الدولي بوقف إطلاق النار، فقد رفضته إسرائيل، ولم تنفذه، وأنها بإعلانها من جانبها وقف إطلاق النار، أكدت رفضها للقرار وما نص عليه، ووجدت في قرارها الانفرادي، وسيلة للتنصل من الخطوات التي نص عليها القرار، إذا لم تجدها ملائمة لها.

بل وقرنت إسرائيل قرارها وقف إطلاق النار وعدم أي إشارة لقرار مجلس الأمن، قرنته بأن لها الحق في العودة إلى استخدام القوة العسكرية تحت زعم حماية مواطنيها، كما تجاهلت إسرائيل، بدعم أميركي، جهود اللجنة الرباعية الدولية والمبادرة المصرية وتجاهلت الخطوات التالية، الضرورية اللازمة بعد وقف إطلاق النار، ومنها: العمل لتثبيت وقف إطلاق النار، وضمان سحب إسرائيل قواتها بالكامل من قطاع غزة، وفتح المعابر ورفع الحصار، وهذا ما نص عليه القرار 1860 تحديداً.

جولة بان كي مون

وفي مساعي الأمم المتحدة ودورها، قام الأمين العام للأمم المتحدة بجولة على عدد من دول المنطقة وإسرائيل، استغرقت قرابة أسبوع، لتكثيف الجهود من أجل تطبيق القرار 1860 وبذل المزيد لتحقيق السلام والأمن على المدى الطويل في المنطقة، وهي جهود ومن أية جهة أخرى كانت ستصطدم في النهاية مع الموقف الإسرائيلي المدعوم أميركياً، إذا لم تكن في الإطار الذي تريده إسرائيل.

وهذا ما سيتضح خلال الأيام والأسابيع المقبلة خلال الجهود الإقليمية والدولية لتنفيذ الخطوات التي تحتمها الضرورة بعد وقف إطلاق النار، وأهمها تثبيت إطلاق فتح المعابر، وإيصال مواد الإغاثة، ورفع الحصار الذي تفرضه إسرائيل على القطاع منذ انسحابها منه عام 2005، والسماح بالجهود لإعادة إعمار ما دمره العدوان الإسرائيل والذي تقدر خسائره المادية بشكل أولي بأكثر من 5. 1 مليار دولار.

وبالإضافة لما سبق، فإن إسرائيل لم تنجح فقط في عرقلة وتأجيل الجهود الدولية، وإنما استطاعت تحت دعوى عدم عودة قطاع غزة إلى ما كان عليه قبل العدوان، مما كان يسمح لحركة حماس بإطلاق الصواريخ على إسرائيل، وتأييد كامل من الولايات المتحدة أيضاً، استطاعت صرف الجهود الدولية عن الهدف الأساسي، خصوصاً الدول الأوروبية، بل وجذبها إلى جانبها لتحقيق الهدف الذي ادعته واشنطن وتل أبيب وهو «وقف تهريب الأسلحة والمتفجرات إلى قطاع غزة».

تحالف إسرائيلي ـ أميركي

وقد تجلى التحالف الإسرائيلي ـ الأميركي في هذا الخصوص في «مذكرة التفاهم» بين البلدين، التي وقعتها وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس في آخر يوم لها في وزارة الخارجية (الجمعة 16/ 1/ 2009) مع نظيرتها الإسرائيلية تسيبي ليفني في مقر الخارجية الأميركية، ونصت على بنود عدة تضع أرضية العمل لتطوير البرامج القائمة، واستكشاف آلية جديدة للتعاون في المنطقة لمكافحة تهريب الأسلحة.

ويجب أن يكون هناك إجماع دولي على أنه يجب ألا تعود غزة لتستخدم كمنصة لإطلاق الهجمات الإرهابية ضد المدنيين الإسرائيليين «حسبما جاء في بيان أصدرته وزارة الخارجية الأميركية بعد توقيع مذكرة التفاهم».. ومن اللافت في البيان القول: « إن الولايات المتحدة قالت مراراً، إن مواصلة تسليح «حماس»، ومنظمات إرهابية أخرى في غزة، من قبل البعض في المنطقة، هو السبب المباشر للأعمال العدائية حالياً».

ورغم أن البيان لم يحدد ما يعنيه بكلمة البعض فقد أوضحت رايس في المؤتمر الصحافي مع ليفني عند توقيع مذكرة التفاهم بقولها: «إن مذكرة التفاهم لمكافحة ووقف تهريب الأسلحة، ومنع احتمالات تسليح «حماس».. العنصر الأساسي، ونحن نعمل لوقف تهريب الأسلحة من أماكن أخرى ومنها إيران».

وزادت نظيرتها الإسرائيلية ليفني بالقول: «إن مذكرة التفاهم هي إجراءات محددة لوقف تدفق الأسلحة من مصدرها بالعمل مع حلف «ناتو» ودول في المنطقة، وتحسين فاعلية الإجراءات المتخذة ضد إيران المزود الرئيسي لهذه الأسلحة». وأكدت رايس دور (الناتو) بقولها: إنها اتصلت بنظرائها في كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وأطلعتهم على الاتفاق، وقالت: إنها تعتقد بأن الأوروبيين سيقومون بمثل هذا في القريب العاجل.

واشنطن ـ محمد صادق