المشهد الذي ظهر به النظام العربي خلال الحرب على غزة لم يكن من إنتاج الحرب وحدها، لأن الانقسام الذي حكم الأجواء العربية كان سابقا عليها. وكل ما حدث أن الحرب كشفته ووضعته في بؤرة الأحداث والأضواء. ونظرا لضخامة الأزمة هذه المرة وتعدد أطرافها المتصارعة ظهر الانقسام حادا وشاملا، بل وأعلى صوتا من وقع انفجارات القنابل والصواريخ، فجاء مدويا في العلن، بعدما كان يتم من قبل داخل الكواليس الرسمية.
وأمام ضخامة الحدث لم يجد الرسميون العرب حرجا هذه المرة في التحارب بكل السيوف واستباحة كل المقدسات، مما أسقط كافة المحرمات العربية الرسمية وغير الرسمية، وليس من المبالغة وصف ما جرى بالحرب الأهلية بين أطراف النظام العربي والملاحظ أن الاحتراب العربي العربي تحرك هذه المرة أيضاً بفعل الخلاف العميق الذي شغل النظام العربي طيلة الثلاثين عاما الماضية سواء في لبنان أو فلسطين أو غيرهما، من دون التمكن من حسمه على أي وجه، مما حول هذا الخلاف إلى حالة سياسية مرضية مزمنة، بل انه صار مصدر معظم الأزمات والاحترابات البينية العربية. ويدور هذا الخلاف حول قضيتين محوريتين هما:
؟ الأولى:العلاقة مع إسرائيل
؟الثانية: الموقف من حركات المقاومة
وهذان المحوران يمثلان وجهين لمشكلة واحدة هي السلام العربي الإسرائيلي. وتنبع تعقيداتهما من أنهما متشابكان ومتداخلان عربيا وإقليمياً ودولياً. وصارا يحكمان العلاقات البينية العربية، بل والعلاقات العربية بالمستويين الإقليمي والدولي. ولم تكن معظم الأزمات العربية العربية، التي اندلعت خلال العقود الثلاثة الماضية، بعيدة عن هذه المشكلة. فا نقسم العرب طواعية بين رافضين ومؤيدين، وتحولوا إلى معسكرين أحدهما أسمى نفسه الاعتدال بقيادة مصر، والآخر الممانعة بقيادة سوريا.
وأراد كل من المعسكرين الإمساك بالملف الفلسطيني برمته لتقوية أوراقه التفاوضية سواء مع إسرائيل أو مع الولايات المتحدة الأميركية. مما دفع القضية الفلسطينية إلى حالة استقطاب حادة، وانقسمت هي الأخرى على نفسها، فلكل من المعسكرين امتداداته في الساحة الفلسطينية على المستويين الرسمي والشعبي، وله أيضاً امتداداته العربية والإقليمية والدولية، مما أدي إلى تأجيج الاحتراب الذي كان سببا في الحرب على غزة. وليس من المبالغة وصف الحرب الإسرائيلية على غزة بالعالمية في مستواها السياسي، رغم إقليمية طابعها العسكري.
منذ بداية الحرب انقسم العرب المتصارعون تجاه الحرب بين شامت في المقاومة الفلسطينية مؤيد ضمنا لإسرائيل، وبين منحاز للمقاومة الفلسطينية مناهض لإسرائيل. واتخذ كل منهما مسارا سياسياً وإعلامياً مناقضا للآخر، من منطلق رغبة كل معسكر في تثبيت وشرعنة رؤاه وسياساته سواء نحو المقاومة او نحو إسرائيل. فمعسكر الاعتدال تحرك وهو محكوم بمعاهدات السلام متمسكا بنهج التطبيع العربي مع إسرائيل، بينما سعى معسكر الممانعة إلى حصار هذا النهج وعزله في سياق تمسكه بدعم المقاومة. ومن هنا كانت هناك حربان على الساحات العربية والإقليمية والدولية:
ـ الأولى في ميدان القتال بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية بقيادة حركة حماس.
ـ الثانية سياسية بين معسكري الاعتدال والممانعة العربيين.
معسكر الاعتدال والتدويل
وفي إطار الاحتراب سعى معسكر الاعتدال منذ البداية إلى السير بالجهد الدبلوماسي من خلال التدويل في مجلس الأمن الدولي رافضا تحركات المعسكر الآخر، بينما سعى معسكر الممانعة إلى تسخين الأزمة في الحاضنة الشعبية والرسمية العربية، فظهرت حرب القمم، حتى بلغ عددها أربعا عقدت في الرياض والدوحة وشرم الشيخ والكويت، خلال ستة أيام فقط، بخلاف قمة مسقط التي انعقدت في إطارها الدوري الذي صادف الحرب. فكل تحرك وفق أدواته ومصلحته المحدودة، بعيدا عن الإطار العربي المشترك.
كانت كل من قطر وسوريا هما السباقتان للدعوة إلى القمة العربية، فكان الرد المصري السعودي بأن القمة تحتاج إلى دراسة وترتيب حتى يتوافر لها سبل النجاح ففشل الانعقاد، وذلك في الوقت الذي ذهب المعتدلون إلى مجلس الأمن لمحاولة الحصول منه على قرار باقاف الحرب، وهم مسلحون بنصوص المبادرة المصرية التي شاركت فيها تركيا ثم فرنسا.
وفي مجلس الأمن بدأ الطريق مسدودا بسب التعنت الأوروبي والأميركي، الا ان الضغوط العربية أثمرت عن انعقاد المجلس وإصدار القرار رقم 1860 الذي دعا إلى وقف القتال من دون تحديد موعد أو آلية للتنفيذ. وكان القرار انتصارا دبلوماسيا للعرب، لكن إسرائيل- بامتناعها عن تنفيذه- حولته إلى هزيمة دبلوماسية. وكان في امتناع الولايات المتحدة عن التصويت على القرار سببا في عدم أخذه بجدية من جانب إسرائيل.
هذا الانسداد الدولي أدى إلى إحياء مطلب انعقاد القمة العربية، وهو المطلب الذي تبنته قطر مجددا، وأصرت عليه هذه المرة، لكن القمة اصطدمت بعدم اكتمال النصاب القانوني البالغ خمسة عشر عضواً، وسط ملابسات عن اكتمال النصاب ثم تراجعه بضغوط على دول عربية من جانب معسكر الاعتدال.
ومن اجل ضبط التحركات الداعية إلى هذه القمة جاءت الدعوة السعودية المفاجئة إلى قمة خليجية تشاورية في الرياض، خرجت بترحيل الأزمة إلى قمة الكويت لعدم اتفاق القادة.
ووسط أجواء الاستقطاب والشد والجذب انعقدت قمة الدوحة. وكان انعقادها محصلة لأجواء التناحر بين المعسكرين العربيين، سواء على مستوى التمثيل أو القرارات، فلم يحضرها المعتدلون العرب وخاصة الفلسطينيون الرسميون منهم، على الرغم من أنهم أصحاب الأزمة، بينما حضر ممثلون عن كل من حركة حماس والجهاد والجبهة الشعبية الذين يمثلون فصائل المقاومة.
وجاءت القرارات كما كان متوقعا في اتجاه دعم الممانعة العربية والمقاومة الفلسطينية. فصدرت قرارات تدعو إلى إنهاء التحركات السلمية باتجاه إسرائيل من خلال تجميد كل من قطر وموريتانيا علاقاتهما معها، والدعوة أيضاً إلى تجميد مبادرة السلام العربية مع إسرائيل التي أقرها القادة العرب في قمة بيروت عام 2002، وتعتبر المبادرة هي الإطار العربي الوحيد الذي صدر عن القمم العربية بشأن السلام مع إسرائيل، ويعني إلغاءها قطع الطريق أمام شرعنة أي مفاوضات عربية مستقبلية مشتركة مع إسرائيل.
وكانت إسرائيل قد أعلنت قبل شهرين على لسان رئيسها شيمون بيريز، كبار ساستها أنها مستعدة للتجاوب مع المبادرة العربية. وهذا الموقف الإسرائيلي ساهم في توتير الأجواء العربية العربية، لأن إسرائيل استهدفت من ذلك الطرح استثمار أجواء الخلافات لإرباك العرب وهم مقدمون على التعامل مع الرئيس الأميركي الجديد باراك اوباما، ومن ثم سعت إلى خلط المسارات التفاوضية العربية. وهذا ما دفع بسوريا إلى الإعلان عن رغبتها في التفاوض المباشر مع إسرائيل في تركيا، بعد جولة من المفاوضات السرية غير المباشرة.
وكانت إسرائيل قد اشترطت منذ بدء المفاوضات مع سوريا إتمام السلام مقابل إنهاء المقاومة في لبنان وفلسطين. ومن هنا اشتد التنازع العربي على مسار السلام ومسار المقاومة، إذ سعى كل معسكر عربي إلى محاولة الانفراد بالسلام والمقاومة معا، فتمزقت الأوراق العربية وتعمق التنازع الذي استثمرته إسرائيل في شن الحرب. ومن هنا كان أيضاً اشتداد الهجوم على المبادرة العربية خلال الحرب على غزة،كي لا تكون بديلا عن المفاوضات الثنائية.
وإذا كانت قمة الدوحة قد وجهت ضربة للتطبيع مع إسرائيل فيما يتعلق بالدعوة لسحب المبادرة العربية، وتجميد علاقات قطر وموريتانيا مع إسرائيل، فان قمة شرم الشيخ التي عقدت بدعوة مصرية وحضرتها فرنسا وبريطانيا وألمانيا وايطاليا والتشيك وتركيا والأردن والسلطة الفلسطينية ممثلة في أعلى مستوى بالرئيس محمود عباس، قد أعادت دعم المبادرة ومنحتها قبلة إنعاش دولية.
وعلى الرغم من أن ظاهر الدعوة إلى القمة كان بهدف إيقاف القتال، والرد على الاتفاق الأميركي الإسرائيلي بشأن تأمين حدود غزة ومنع تهريب السلاح من خلال إشراك الأوروبيين، الا أن الموقف من مبادرة السلام العربية كان من أهم أهداف الانعقاد. ومن أجل ذلك حرص الأوروبيون على تكرارها في كلماتهم داخل قاعة المؤتمر، وفي المؤتمر الصحفي. فالقاهرة أرادت شرعنة المبادرة مجددا في مواجهة قمة الدوحة، باعتبارها المرجعية العربية الوحيدة التي حظيت بالإجماع بشأن السلام مع إسرائيل.
المبادرة مصدر للاحتراب
وعندما عقدت قمة الكويت كانت المبادرة حاضرة بقوة بوصفها مصدرا للاحتراب العربي العربي، فتناولها الرئيس المصري مذكرا الجميع من القادة العرب بأنهم وافقوا عليها سويا في قمة بيروت، وتناولها الرئيس الفلسطيني مشددا على أهميتها، ولكن الرئيس السوري صمت عنها ولم يصر على إلغائها أو تجميدها مثلما حدث في قمة الدوحة التي شارك فيها، واستبدل ذلك بالدعوة إلى دعم المقاومة.
وبين الخطين العربيين المتوازيين بشأن التطبيع مع إسرائيل حرص العاهل السعودي خلال القمة على السير بالمبادرة في منحى تصالحي عربي، ومحذرا إسرائيل، بقوله ان مبادرة السلام العربية لن تبقى على الطاولة دائما، وهو في ذلك قدم حلا توافقيا يرضي أطراف المعسكرين العربيين المتناحرين، وهو ما انعكس على أجواء القمة بالمصالحة التي تمت بين مصر وسوريا.
ولقد مثلت هذه المصالحة خطوة مهمة في تهدئة الخواطر العربية، لكنها لن تقود إلى الخروج من المأزق العربي الراهن، فأجواء الخلافات السابقة على المصالحة تشعبت وتعقدت إلى حد التناقض الاستراتيجي بين المعسكرين العربيين، وهذا ما أكده الأمين العام للجامعة العربية في مؤتمره الصحفي بعد القمة بقوله: (الواقع العربي لا يزال مضطربا، ويحتاج إلى جهد حقيقي لإعادة اللحمة قدر الإمكان).
كما جاء البيان الختامي للقمة بشأن غزة معبرا عن استمرار أجواء الخلاف، مما يعني أن المصالحة لم تكن مؤثرة. ان إنهاء هذه الحالة التناحرية يستدعي أيضاً جهودا عربية عميقة ومتواصلة وهو مالم يحدث بعد. فالأمر لم يتجاوز حدود تطييب الخواطر، لذا فان العرب أمامهم الكثير من الجهود لردم الهوة التي تتسع بينهم. وما لم يحدث ذلك فان العالم العربي مقبل على احترابات أوسع وأشد دموية سوف تضرب المناطق العربية الرخوة التي تشتد فيها الصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية.
فالاحتراب العربي العربي الذي ضرب غزة كان مسلحا باحتراب فلسطيني فلسطيني، وعربي عربي، وعربي إقليمي، وعربي دولي. وهذا التعقيد مس حساسية قصوى لدي دول كبرى فضلت عدم التورط في هذا المشهد العربي المضطرب، ونخص بذلك كل من روسيا والصين، مما أطلق اليد الإسرائيلية عسكريا والأميركية والأوروبية سياسيا. وإذا استمر هذا الحال فان النظام العربي الذي وصفه عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية ب (السفينة التي أوشكت على الغرق وعلينا إنقاذها) .
لن يجد آنذاك من ينقذه، وهو ما يشير إلى أن الوضع العربي صار خطيرا ويحتاج لما هو أكثر من المصالحة العابرة، انه يحتاج إلى مقاربة جديدة في منهجية التعامل مع إسرائيل والمقاومة، تقوم على التوافق الرسمي والشعبي العربي في إطار المصالح العربية المشتركة.
خسارة للعرب جميعاً
وعلى الرغم من أن الحرب على غزة انتهت عمليا بعجز إسرائيل عن تحقيق أهدافها، مما يعد انتصارا للمقاومة الفلسطينية، الا أن المحصلة النهائية كانت خسارة للعرب كلهم وعلى كل المستويات. ففلسطينيا، تهدمت البنية التحتية وسقط آلاف القتلى والجرحي، وازدادت القضية تشرذما رغم الدعوات إلى التوافق الوطني. وهذا التوافق لن يكون سهلا بعدما عمدت أطراف فلسطينية وغير فلسطينية بالتواطؤ مع العدو الإسرائيلي.
ولقد خسرت حماس في هذه الحرب مثلما خسر عباس، من حيث خطأ الحسابات في التعامل مع المحيط الرسمي العربي ومع مخططات إسرائيل، وذلك على الرغم من تعميق شرعية المقاومة مجددا في التراب الفلسطيني والعربي، وإعادة القضية إلى الحضن الشعبي العربي، والدفع بها إلى واجهة الأحداث العالمية.
وعربيا، كانت الخسارة شاملة، إذ انهار النظام الرسمي العربي كلية في هذه الأزمة، وازداد التشرذم والاحتراب. ونجحت إسرائيل في أن تظهر النظام العربي في أضعف صوره قبل الحرب وأثناءها وبعد وقف إطلاق النار. كما فوتت إسرائيل بشنها هذه الحرب على العرب فرصة الاتفاق على أجندة موحدة أمام الإدارة الأميركية الجديدة.
بينما ظهرت هي على خلاف ذلك قوية متماسكة، تحتكم إلى مؤسسات قادرة على التعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية، مما يعزز فرصها أمام أصدقائها الأميركيين الجدد في إمكانية الاعتماد عليها في الملفات الحساسة بالمنطقة ومنها الملف النووي الإيراني، وذلك على الرغم من أن الحرب أثبتت عقم المخططات التوسعية الإسرائيلية، وكرست عدم قدرة الدولة العبرية على تحقيق أمنها في مواجهة صواريخ المقاومة الفلسطينية امتدادا لما سبق وانتهت اليه الحرب الإسرائيلية على لبنان في صيف 2006.
لكن المخيف في هذه الأزمة انها جعلت من إسرائيل محددا رئيسيا في ضبط العلاقات العربية العربية، تلك العلاقات التي صارت تتأسس على ضوء الخلافات بين الدول العربية الكبرى. ويخشى ان تكون هذه الحرب مجرد بداية لما هو آت عربيا بين كلا المعسكرين المتناحرين، فمن المحتمل توسع الصراعات مستقبلا على ضوء التعقيدات المتوقعة في الملف الفلسطيني سواء على صعيد المصالحة في ظل اقتسام السلطة أو الموقف من المقاومة ضد إسرائيل.
وسوف يتوقف جانبا كبيرا من تعقيد الأزمة أو حلها على الموقف الذي سوف تتبعه إدارة الرئيس باراك أوباما من الأطراف الفلسطينية. فموقف هذه الإدارة سيحدد مدى اعتراف العرب بدور حركات المقاومة في القرار الرسمي الفلسطيني. فاذا اتخذت إدارة أوباما خطوة باتجاه التفاهم مع حماس فان كل العرب سيتعاملون معها بدورهم بمقدار الخطوة الأميركية، أما إذا استمر أوباما على نهج سلفه جورج دبليو بوش، فان الاحترابات العربية التي انطلقت بضغوط ومباركات أميركية سوف تستمر إلى أبعد مدى.
مما يعقد القضية الفلسطينية داخليا وعربيا وعالميا. وبالتالي يزداد النظام العربي انهيارا واحترابا في المناطق ذاتها وفي غيرها على امتداد الخريطة العربية المنبسطة من المحيط إلى الخليج، خاصة مع اعلان ايهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي المستقيل يوم الأربعاء الماضي،بعد انتهائه من تدمير غزة وتقتيل أهلها، استعداده لقبول المبادرة العربية.
أحمد الكناني

