أما وقد وضعت الحرب الإسرائيلية المدمرة على غزة أوزارها فقد يكون من المطلوب محاولة استخلاص الدروس المستفادة منها على كافة المستويات، رغم أن الكثير من الحقائق بشأن ما دار خلالها سواء على المستوى العسكري أو السياسي لم يتكشف بعد وقد لا يتكشف خلال فترة قصيرة.
وتتحدد أهمية هذه المحاولة في ضوء كون حرب غزة تستحق وقفة عربية نقدم من خلالها لأنفسنا تقريرا على غرار تقرير ءفينوغرادس الإسرائيلي، وإن كان المطلوب على مستوانا تقييم أداءنا السياسي وتحديد أين أخطأنا وأين أصبنا خلال الأزمة.
نشير هنا إلى أنه بقدر فداحة الموقف الإنساني جراء العمليات الوحشية العسكرية الإسرائيلية في القطاع، بقدر ثراء الأزمة بالأبعاد والدلالات على نحو يجعلها في رأينا كاشفة بشأن جوانب عديدة على صعيد القضايا التي نحياها إن عربيا أم إقليميا أم دوليا. نحاول هنا تقديم لمحة عن عدد من الدروس المستفادة من الحرب، مع التأكيد على أن كل درس يستحق تناول مفصل وحده.
أولا - التأثيرات السلبية المدمرة للشقاق الفلسطيني على الصراع مع إسرائيل على نحو يفرض تجاوز الخلاف الفلسطيني - الفلسطيني، رغم ما قد يبدو في هذه العبارة من صياغة إنشائية من كثرة تردادها وافتقادها للأسس التي تجعلها قابلة للتنفيذ بسبب استحكام هذا الخلاف وارتقائه إلى مستويات التخوين من قبل الفصيلين الرئيسيين فتح وحماس.
وإذا كان السؤال الذي يمكن طرحه هنا: هل يمكن لقادة فتح وحماس تغليب ما يسمى بـ (المصلحة الوطنية) وتجاوز هذا الخلاف؟ فإنه من المؤسف التأكيد على صعوبة تحقق هذا الأمر وأن الخلاف بين الفصيلين قد وصل إلى مرحلة اللاعودة، على نحو يبدو معه أن كلا منهما يرى أن في وجود الآخر نفي لوجوده.
هزل الأداء العربي
ثانيا ـ يتمثل ثاني الدروس في ضرورة تغيير الأداء العربي في مواجهة الأزمات التي تلحق بعناصره إذا أرادت الدول العربية بحق أن يكون لصوتها صدى في المجتمع الدولي. لقد كان هذا الأداء بالغ الضعف وشابه الكثير من أوجه القصور على نحو مخز.
ونكتفى هنا باستعارة التوصيف بالغ العمق والدلالة للكاتب البريطاني باتريك سيل لهذا الموقف حيث أشار «إلى أن عجز العرب الكلي عن الاستجابة الفعالة سواء بالقول أو بالفعل بالدبلوماسية أو بالعمل العسكري لحرب إسرائيل المدمرة على غزة كشف النقاب عما كان معروفا ولكن لا يتم الحديث عنه إلا نادرا وهو أن بعض الحكام العرب غير منسجمين ويخشون بعضهم بعضا أكثر مما يكرهون أو يخشون إسرائيل».
ثالثا ـ كشفت الحرب عن رواج ما أسميناه في مقال سابق بـ «ثقافة الاستسلام» عربيا وأن الأمر لم يعد يقتصر على نظام عربي حاكم هنا أو هناك أو حتى على مستوى بعض النخب، وإنما يكاد أن يمثل تيارا جماهيريا وهو ما بدا في توجيه اللوم من بعض القطاعات والأفراد إلى المقاومة ناسين أو متناسين أنها إنما تخوض ما يمكن اعتباره نضالا ضد محتل أجنبي وفق حق تقره لها كافة المواثيق الدولية.
ولا شك أن هذا التيار يعكس نوعا من الوعي الزائف الذي تمكنت من تشكيله العديد من الأدوات وبشكل خاص الأدوات الإعلامية الموالية للولايات المتحدة في منطقتنا العربية وما أكثرها رواجا من صحف وفضائيات ومواقع إلكترونية تعمل على نشر هذه الثقافة.
رابعا ـ في الوقت الذي يمكن اعتبار أن الأزمة أكدت مزايا العولمة لجهة توحيد الرأي العام العالمي في مواجهة المجازر الإسرائيلية في غزة، بفعل المتابعة الفورية والمباشرة على الهواء لمجريات الحرب وفظائعها، إلا أنها كشفت عن محدودية تأثيره على صنع القرار سواء الدولي أو الإقليمي.
حيث لم تنعكس المظاهرات التي اجتاحت العالم ولم تخل منها المدن الرئيسية في مختلف دول العالم، على القرارات التي تتعلق بمسار الحرب بما فيها قرار مجلس الأمن. الجديد الذي كشفت عنه الحرب على مستوانا العربي هو التفاف عدد من النظم العربية على هذا النوع من التحرك الجماهيري، من اجل تفريغه من محتواه من خلال تنظيم مظاهرات موازية تمثل نوع من المزايدة على الغضب الشعبي.
محورية الدور الأميركي
خامسا - يرتبط بالنقطة السابقة ما كشفت عنه الحرب وبشكل واضح بشأن محورية الدور الأميركي على مستوى إدارة قضايا النظام الدولي وفي الوقت ذاته عن مدى حقيقة الانحياز الأميركي لإسرائيل، على نحو يفرض علينا التخلي عن الأوهام المتعلقة بتعديل مواقف واشنطن ما لم نلجأ إلى ما في يدنا كعرب من أوراق، وهى كثيرة.
لقد كان واضحا أن هناك ضوءا أميركيا أخضر لإسرائيل لمواصلة العدوان على غزة يذكرنا بذلك الذي وفرته واشنطن لتل أبيب خلال حرب يوليو 2006 في مواجهة حزب الله. ويكتسب الموقف الأميركي فيما يتعلق بالحرب على غزة أهميته من زاويتين:
ا ـ كشف زيف الوعود الأميركية للعرب وعن أنها تأتي على خلفية تطويع المواقف العربية لصالح أخرى أميركية. وفي مجال حديثنا هنا فإنه بينما كان من المفترض أن يصحو الفلسطينيون والعرب بحلول 2009 على دولة فلسطينية مستقلة وفق رؤية بوش، فقد أفاقوا على كارثة قومية تتمثل في استباحة غزة.
ب ـ إن إدارة بوش كانت من بين أكثر الإدارات الأميركية انحيازا لإسرائيل، فيما يشير إلى تماهي أهدافها مع الإدارات الحاكمة في تل أبيب، الأمر الذي جسدته العديد من الأزمات خلال حكم بوش الإبن. وقد يكون من المفارقات بالغة الدلالة هنا على صعيد مواقف هذه الإدارة أنه بينما اختتم الرئيس السابق كلينتون حكمه وهو يدفع قادة إسرائيل والفلسطينيين ـ باراك وعرفات ـ إلى السلام، فإن بوش اختتم حكمه وهو يدفع باراك أيضا ولكن في مسار آخر وهو الحرب على الفلسطينيين.
سادسا ـ محورية الدور المصري في النظام الإقليمي العربي دون أن يعني ذلك أي حكم قيمي بشأن اتجاه هذه المحورية. وبغض النظر عن الملاسنات التي جرت حول هذا الدور وبشكل خاص على خلفية حرب غزة ـ وهنا ليس مجال الخوض فيه ـ فقد كان من اللافت للنظر أن القاهرة وشرم الشيخ كانا محط الكثير من الزيارات والتحركات التي جرت من أجل مواجهة الأزمة. ورغم أن أطرافا أخرى حاولت اللعب على الجانب الآخر من الأزمة ، إلا أن جهودها ذهبت أدراج الرياح. ما نريد قوله، دون تفصيل، أن مصر القوية الناهضة إنما تمثل أكبر إضافة للعرب، والعكس صحيح.
سابعا ـ أن العرب أمام عدو تنتفي لديه كافة المفاهيم والمعاني الإنسانية وأن اللغة الوحيدة التي يتقنها هي لغة العنف والقتل. مؤدى هذا الفهم أن دول النظام العربي الرسمي ليس أمامها سوى خيارين للعيش بكرامة والحفاظ على استقلالها، إما أن تجمع بينهما أو تجيد أحدهما على الأقل.
هذان الخياران هما خيار الاستعداد العسكري وإجادة فن الحرب، وخيار إجادة التفاوض، ولا يمكن أن تقوم للعرب قائمة إذا أثبتوا فشلا ذريعا في انتهاج الخيارين، الأمر الذي كشفت عنه أزمة غزة بجلاء. يقوض ذلك المقولة التي يجري تسييدها من قبل العديد من الأنظمة العربية حول إستراتيجية خيار السلام. ليس في ذلك دعوة للحرب، وإنما لفت الأنظار إلى بديهية تحكم علاقات الدول والبشر منذ القدم وهى ضرورة القوة للدفاع عن الحق حال اغتصابه أو الاعتداء عليه.
ثامنا ـ أن حرب الـ 23 يوما في غزة وحرب الـ 33 يوما جنوب لبنان قوضت بشكل جزئي من مصداقية إسرائيل العسكرية وأثبتت أن الجيش الإسرائيلي ليس بالقوة التي يجري بها تصويره في عالمنا العربي، وأن إرادة المقاومة يمكن أن تقهر ضخامة الآلة العسكرية التي يتسلح بها الجندي الإسرائيلي. ليس في الأمر محاولة للتهوين وإنما تقديم رؤية للواقع في ضوء إدراك أن القتال أو الحرب قد تكون ضرورة وأن النصر العسكري فيها ليس بالمستحيل، إذا ما توافر التخطيط الجيد على كافة المستويات.
طبيعة حسابات حماس
تاسعا ـ وهو أمر يرتبط بالدرس السابق، يتعلق بالتساؤل حول طبيعة الحسابات التي بنت عليها حماس موقفها برفض تمديد الهدنة وبدء قصف إسرائيل بالصواريخ. وإذا كانت إسرائيل استفادت من دروس حربها مع حزب الله، فهل استفادت الحركة كذلك من دروس هذه الحرب، باعتبار التشابه بين حماس وحزب الله؟ ما نود التأكيد عليه هو معرفة مدى واقعية ومنطقية الأسس التي بنت عليها حماس موقفها؟ بالطبع نظلم المقاومة كثيرا إذا توقعنا منها تحقيق انتصار عسكري على إسرائيل، غير أن الحرب في النهاية ليست سوى وسيلة لتحقيق أهداف سياسية.
وبمنطق المكسب والخسارة، فإن الحرب وفق الصيغة التي انتهت إليها إنما تمثل نصرا للإستراتيجية الإسرائيلية. قد لا تكون إسرائيل حققت نصرا عسكريا، وقد تكون خسرت على المستوى الأخلاقي غير أنها حققت عددا من الأهداف الأساسية على رأسها:
ا ؟ إضعاف بنية حماس العسكرية: وهنا يجب أن نكون واقعيين ونقر بأن هدف إسرائيل من حرب غزة لم يكن القضاء على حماس تماما باعتبار ما يخدمه وجود الحركة من تيسير أهداف تل أبيب القائمة على استغلال التناقض القائم بين حماس وفتح لصالحها.
ب ؟ إحكام الحصار على مصادر تسليح حماس في ضوء المذكرة التي وقعتها ليفني ورايس، وتعهد الدول الأوروبية بإجراءات بحرية تساعد على تحقيق ما يسمى منع تهريب السلاح لغزة، بغض النظر عن مشروعية هذا الهدف دوليا أم لا.
ويقتضي الإنصاف الإشارة إلى أن هذه النتائج لا تعود إلى ضعف أداء المقاومة على الأرض وإنما يعود إلى التعاطي السياسي العربي الذي خذل حماس وبقية فصائل المقاومة ولم يوفر الغطاء السياسي لموقفها العسكري في ضوء العديد من الخلفيات.
عاشرا ؟ يرتبط هذا الدرس كذلك بما سبقه ويتمثل في أن الفلسطينيين في صياغتهم لإستراتيجية صراعهم مع إسرائيل يجب ألا يعولوا على الطرف العربي كثيرا، الأمر الذي بدا واضحا على المستوى الشعبي في صرخات النساء الفلسطينيات جراء بشاعة العدوان والتساؤل عن العرب الذين من المفترض وجودهم وتدخلهم للحد من المأساة أو الملهاة.
ليس في ذلك دعوة للانسلاخ الفلسطيني عن الإطار العربي، وإنما هي دعوة لمزيد من الواقعية، وهى واقعية للأسف قد تخفض من سقف الطموح الفلسطيني، غير ان هذا أمر لا بد من القبول به والتعامل على أساسه على الأقل في هذه المرحلة التاريخية، أو محاولة تطويره نحو مزيد من الالتزام العربي العملي بالحقوق الفلسطينية.
وقد كان من بين المفارقات المثيرة للدهشة في ثنايا الأزمة ما بدا من أن بعض الأطراف غير العربية بدت عربية أكثر من العرب أنفسهم، الأمر الذي انعكس في مواقف فنزويلا وبوليفيا وكذلك تركيا. قد يقول قائل أن ذلك يعكس مصالح وسياسات خاصة بهذه الدول، وهو طرح يرد عليه التساؤل حول منذ متى كان هناك تباين بين المصالح والسياسات العربية مع نظيرتها الفلسطينية؟
مصطفى عبد الرازق
