على غرار نظيرتها حرب يوليو 2006 خلخلت الحرب على غزة العديد من الأوضاع في المنطقة وكشفت العديد من الحقائق التي كانت تجرى محاولة طمسها على نحو ما نتناوله في هذا الموضوع المنشور على هذه الصفحة.
ولعل من بين الجوانب الأساسية التي كشفت عنها الحرب حقيقة أن أمن مصر القومي يمثل جزءا لا يتجزأ من القضية الفلسطينية، وهو الأمر الذي بدا على الصعيد المباشر من خلال ما طال الأراضي المصرية من بعض رذاذ الحرب جراء سقوط بعض الصواريخ التي لم تنفجر وتصدع بعض البيوت ووقوع إصابات على الجانب المصري من الحدود مع غزة.
تعزز هذه التطورات الحقيقة التي طالما أكد عليها العديد من الزعماء والسياسيين والخبراء المصريين على مدى العقود الماضية، بما يجعلنا نؤكد أن الدماء المصرية الذكية التي سالت على مدى أكثر من أربعة عقود، إنما سالت على خلفية مناصرة الأشقاء في فلسطين والذود عن أمن مصر القومي في ظل قناعة مصرية بالارتباط الوثيق بين طبيعة القابع على الطرف الآخر من الحدود واستقرار الأوضاع في داخلها.
هذا جانب ينبغي التأكيد عليه في ضوء مجريات الصراع القائم حاليا والذي قد يكون اختتم أحد فصوله بانتهاء الحرب، غير أن فصولا أخرى ستتبعه لا شك أن مصر مدركة لما ستتضمنه تمام الإدراك، وهو ما يؤكده المواقف الأخيرة التي صدرت عن مسؤوليها بغض النظر عما أشرنا إليه في ثنايا الموضوع المنشور من تلاسن على خلفية موقفها الأخير من حرب غزة وهو تلاسن قد يكون اختلط فيه الحابل بالنابل.
فإسرائيل التي يبدو أنها لم تحقق نصرا عسكريا حاسما على المقاومة في غزة تسعى الى تحقيق نصر سياسي في مواجهة القاهرة من خلال تكبيل مصر بقوات دولية أو مراقبين يتمركزون على الجانب المصري، الأمر الذي رفضته القاهرة واعتبرته خطا أحمر لن يتم السماح بتجاوزه.
وبعيدا عما سيتم على أرض الواقع والانباء عن مذكرة تفاهم مصرية اسرائيلية في هذا الشأن فإن هذا التطور في حد ذاته يكشف المدى الذي يمكن أن يلقيه تطور الأوضاع على الساحة الفلسطينية على مصر، على نحو يفرض عليها أن تبقى متيقظة، وبشكل خاص في ضوء مسايرة الولايات المتحدة للمخططات الإسرائيلية، ما بدا واضحا في منح واشنطن تل أبيب حقوقا ليس لها البت بشأنها للحيلولة دون ما يسمى بتهريب الأسلحة لغزة.
ورغم الرد الدبلوماسي المصري بأن ذلك لا يعنيها، إلا أن ذلك في صميم ما يجب أن يعني القاهرة، في ضوء ما قد يفرضه من التزامات لا تقبل بها وقد ينتهي بها إلى صدام لا ترغبه مع واشنطن، الأمر الذي يكشف في النهاية عن الدور السلبي الذي يمكن أن تلعبه إسرائيل على صعيد علاقات مصر الدولية والإقليمية.
لا نزيد وإن كنا نعزز ما نقول بالإشارة إلى ما ذهب إليه محمد عاصم سفير مصر السابق في تل أبيب من أن الإسرائيليين حاولوا إقناع مصر بإعطاء الفلسطينيين جزءا من سيناء، وهو الأمر الذي كشفت محاولة اجتياح معبر رفح العام الماضي عن المخاوف المصرية من تحققه. يؤكد ما سبق أن المخاوف الأساسية على الأمن القومي المصري إنما تنبع من السياسات الإسرائيلية، وبشكل خاص في ضوء تشابكها مع تطورات الأوضاع الفلسطينية، الأمر الذي نحسب أنه ينبغي وضعه نصب العين.