سبقه 43 رئيساً. ولا واحد منهم جاء في مثل ظروفه. ربما بعضهم واجه، أو مرّ عليه، شيء منها. لكن بصورة منفردة وليس بالجملة وبالتزامن. وبالتأكيد، ليس بطابعها المفصلي وما تتطلبه من معالجات غير اعتيادية. فالرئيس أوباما، الذي باشر مهامه منذ ايام، ورث تحديات غير مسبوقة؛ وفي عالم غير مسبوق بتداخله وسرعة تغيّره. مواجهتها، تتطلب قرارات من عيارها وحجمها.
وهذا يحتاج إلى توفّر شرطين أساسيين: رصيد وتفويض كبيرين. ثم رؤية ملائمة واضحة، مع القدرة على ترجمتها. الشرط الأول يمتلكه الرئيس الجديد وبامتياز. لديه ما يشبه الصك على بياض. يحظى بتأييد حوالي 80% من الأميركيين.
ما من رئيس سابق جاوره في هذه النسبة، لحظة دخوله إلى البيت الأبيض. المفارقة أن هذا الرصيد قد يشكل عبئاً ضاغطاً عليه، لما ينطوي عليه من مراهنة عالية وآمال معقودة على رئاسته. لاسيما وأنه مطالب بالسرعة في المعالجة والنتائج الملموسة.
أيضاً رصيده في الخارج لا يشكو من ضعف. العالم رحب، مستبشراً، بانتخابه وأعطاه فرصة. على الأقل، لأنه يأتي بعد سلف كانت رئاسته وبالاً على الخارج والداخل. ترك بأدنى ما سجّله المؤشر من درجات رئاسية: 22% فقط نسبة تأييده. في آخر أيام ولايته، ودّع من دون مودّعين؛ لشدة ما كان منفوراً منه.
من هذه الناحية، الرئيس الجديد مسلّح بما فيه الكفاية؛ لمواجهة مهمته التاريخية. تبقى عدّة الشغل التي استقدمها معه. فهي الفيصل والمقرّر، في سياساته الداخلية والخارجية. في خطاب التدشين، رسم خطوطها وملامحها العريضة فقط. حرص على التأكيد بأن رئاسته لن تكون امتداداً لما كان.
بل مغايرة له ولخطه. الشق المحلي منه، الذي طغت عليه لغة الاستنهاض ورفع المعنويات، انطوى على إشارات واضحة، في هذا ألاتجاه. في الشق الخارجي، أفصح خطابه عن مقاربة متميزة، في حقل العلاقات الدولية؛ يحتل فيها الحوار المقام الأول. كما كشف عن رحابة، كانت مفقودة طوال سنوات بوش، في هذا المجال. خاصة تجاه العالم الإسلامي.
لكن مع نبرته المتفائلة والواعدة، خلا خطابه الافتتاحي من بصمة أوبامية، تكون بمثابة ماركة مسجلة باسمه. في اللحظات التاريخية الفاصلة، ترك أسلافه الكبار - مثل لنكولن وروزفلت وكينيدي - ، تمغة خاصة بهم. مهّدوا لقرارات غير اعتيادية، ثم أقدموا عليها. لا شك أنه يحتاج لمثل هذه القرارات الكبيرة.
على الصعيد المحلي، الأزمة المالية العاتية، لا تزال تداعياتها جاثمة على صدر الاقتصاد الأميركي. تهدّد بإغراقه في حالة كساد كبير. أنابيب التسليف والإقراض، التي يتفق منها الزيت إلى المحرك الاقتصادي، ما زالت مسدودة إلى حدّ بعيد. ما يطرحه الرئيس من تحفيز، لا يتعامل مع أصل المأزق الكامن في نظام معتل ومتوحّش.
وهنا بيت القصيد. اسم عملية التصحيح، ليس أقل من تدخل الدولة بشكل ما، في المفاصل الحيوية لهذا النظام؛ وفق ما يراه كثير من الخبراء. على الرئيس أن يختار بين التغيير ضمن المعمول به، وبين التصحيح الإنقاذي. الفارق جوهري. تصديه للمنظومة، يضعه في مواجهة مصالح ضخمة؛ لها قواها النافذة في مواقع صنع القرار الأميركي. لكن عزوفه يتركه مسربلاً بخيوطها العنكبوتية.
كما يحتاج، على الصيد الخارجي، لمغادرة الموروث؛ من أحادية وانحياز وجنوح موتور نحو الهيمنة؛ القائمة على سياسة العصا. رصيد أوباما كبير. لكن التحديات أكبر. انطلاقته كانت صاروخية. دخل التاريخ من بابه الواسع. لكن هل يكتبه؟
