لو أننا نسيئ الظن بالشيخ صالح اللحيدان رئيس المجلس الأعلى للقضاء في السعودية لقلنا أن الرجل يبدو حريصا على أن يبقى في دائرة الضوء من خلال موقعه بطرح فتاوى مثيرة للجدل، غير أن الحقيقة على ما نراها غير ذلك، ففتاوى الرجل لا تعكس سوى قناعاته التي تعود لحقب مضت، ما يجعلها بعيدة عن الواقع وتقف على الضد من التطور الإنساني المعاصر.

فوسط حالة الغليان التي تجتاح العالم على العدوان البربري الذي تشنه إسرائيل على غزة، وبدلا من التنديد بالعدوان خرج علينا الشيخ بفتوى تندد بالمظاهرات الرافضة للعدوان باعتبارها فسادا في الأرض!

لمن لا يعرف الشيخ نشير إلى أن فتاواه لا تختلف عن السياق العام لرؤاه فهو مثلا يرى أن ضعف الإيمان يعود إلى انتشار المدارس، كما يرى في عمرو خالدـ اختلفنا أو اتفقنا معه ـ داعية فسق وفجور. حتى في القضايا التي قد يلتزم الموقف الصحيح بشأنها، يقدم فتاوى قد تضر بموقفه ومن ذلك فتواه بشأن أصحاب الفضائيات والضجة التي أثيرت بشأنها على خلفية ما نسب له بدعوته لقتلهم ، على نحو ينتهي به ليصبح أقرب ما يكون إلى اللاعب الذي يسجل أهدافا بمرماه.

يقول الشيخ دون تفصيل أن المظاهرات تصد عن ذكر الله ؟ لا ندري كيف؟ وما علاقة ذكر الله بالمظاهرات؟ ثم إن أول مظاهرة شهدها الإسلام، حسب اللحيدان، في عهد عثمان كانت وبالا على الأمة الإسلامية.

وتوصيف المظاهرة هنا من عنده وقد نختلف ويختلف معه الكثيرون، غير أن ذلك ليس بيت القصيد وإنما المهم هنا ما نراه من أن ما ينسحب على واقعة قد لا ينسحب على أخرى بالضرورة. يحذرنا الشيخ من الأعمال التخريبية التي قد تنجم عن المظاهرات، وهو أمر وارد في الشعوب التي تعيش مرحلة سنة أولى سياسة، وهنا فإن الجهد الذي كان منتظرا من الشيخ البحث عن السبل الكفيلة بتحقيق هدف الجماهير مع تجنب هذا المزلق.

يتساءل الشيخ في براءة ونحن لا نشك في ذلك: متى كانت المظاهرات والتجمعات تصلح؟ وليقيننا بأن الشيخ لا يدري نذكر له أن المظاهرات كان لها مفعول السحر في تغيير واقع الأمم والشعوب. صحيح أن ذلك لم يكن في عالمنا العربي لأنه يتعامل بمنطق اللحيدان، غير أن التجربة الإنسانية الواسعة تقدم لنا نماذج عديدة منها مثلا إسقاط نظام شاوشيسكو في رومانيا والشاه في إيران، وهى ـ إذا حاولنا التعاطي معها بلغة إسلامية ـ أقرب ما تكون، في حالتنا التي نحن بصددها،لصيغ إنكار المنكر التي نص عليها الحديث النبوي الشريف.. اليد ثم اللسان ثم القلب، وهى صيغ واجبة على كل مسلم، حسب موقعه، وموقع الجمهور يتيح له استخدام اللسان إذا استبعدنا اليد رغم أنها بديل قد يكون مطلوبا.

بالمنطق الإسلامي فإن المظاهرات وسيلة من وسائل التعبير عن الرأي خاض فيها بشكل أو بآخر الكثير من علمائنا القدامي مثل الغزالي والماوردي وابن تيمية مع اختلاف في التعاطي معها، إزاء تمحورها حول فكرة الخروج على الحاكم، دون إنكارها تماما. بمنطق العصر الذي نحياه فإن المظاهرات استقرت في العرف السياسي باعتبارها أداة من أدوات المشاركة السياسية على أساسها يقاس مدى تقدم الشعوب.

لسنا في وارد أن نذكر الشيخ بأن الفتوى أمانة، وأن من افتى بغير علم كان إثمه على من أفتاه. وبالمناسبة فإن فتوى اللحيدان بشأن المظاهرات تعد بغير علم في إطار كونها لا تقع في دائرة اختصاصه الأصيل، حيث إنها ليست ظاهرة دينية بحتة وإنما ظاهرة مركبة كان يجب عليه أن يلجأ لمن يفيده في الحديث عنها ـ بمعنى اللجوء إلى مجلس استشاري للفتوى.

ولسنا في وارد تأييد الاقتراح البرلماني المطروح في مصر بمعاقبة من يفتي بلا رخصة، فاللحيدان لديه رخص وليست رخصة واحدة! ولكننا في وارد التأكيد على أن أحوالنا إنما تقتضي التأسيس لفقه الواقع من خلال فتح باب الاجتهاد، المغلق منذ قرون، على مصراعيه للتعاطي مع قضايا لم يشهدها زيد أو عبيد منذ خمسة عشر قرنا!

mostafa1962@yahoo.com