كان الموعد عصرا عندما وصلتها، لا شيء يشوش على هدوء المكان سوى أزيز الهواء . للوهلة الأولى يبدو كل شيء عاديا، لكن مع اقترابي منها وجدتها تستند على سفح الجبل قبالة الحدود مع سلطنة عمان.

الوصول الى القرية يتطلب سيارة ذات دفع رباعي نظرا لوعورة المنطقة، وهي تبتعد عن رأس الخيمة نحو 40 كم، وعن شعم نحو 5 كم، وقد احيطت بسياج بسيط، يحمي أرضا تزدحم فيها سنابل القمح الخضراء شتاءً، وما تلبث أن تتجمل بالذهبي صيفا. هناك في قرية محمد بن راشد التراثية التي انشأها سعيد الظهوري عام 1995، لا تجد سوى الهدوء وقصص عديدة تروي تراث وحنكة الأجداد، وتؤرخ لوقت مضى ما زالت بصماته حاضرة لوقتنا هذا. في القرية التراثية تجد نماذج مختلفة لبيوت سكنها من عايشوا زمن الكد وشظف العيش، بيوت شيدت من حجارة الجبل لتشهد لجيل يحيا بين ظهرانيها. يبادرنا سعيد الظهوري، صاحب القرية بالقول: «لا امتلك في هذه الدنيا سوى تراث بلدي، ولشدة حبي له أحببت أن أقدمه لأبنائنا بطريقة جميلة، فكانت فكرة تأسيس القرية التي تبادرت فكرتها إلى ذهني عام 1995.

وخلال السنوات الماضية عملت على جمع تحف وقطع تراثية دأب اباؤنا واجدادنا على استخدامها، ولم اكتف بذلك وقررت بناء نموذج يوثق لحياة كنا قد عشناها قبل ظهور النفط وحدوث الطفرة، وفي عام 2006 اطلقت عليها اسم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشدآل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، كنوع من رد الجميل لما يقدمه لوطننا». في المكان يصف لنا سعيد الظهوري ما بنته يداه، ليكون دليلا للأجيال المقبلة، ويبدأ معنا من (الرحى) التي تقع إلى الشمال من مدخل القرية، فيقول: هذه هي (الرحى) التي دأب أجدادنا على استخدامها لطحن الحبوب، بعد جمعه من (الوعوب) وضربه بالعصي، وبجانب الرحى يأتي المخزن أو (الينز) كما في اللهجة المحلية، وكان يستخدم قديما لحفظ أواني الحبوب الفخارية المغطاة بقطعة من الجلد، وأدوات الطعام وغيرها، وأمام المخزن مباشرة ترى نموذجا للوعب (الأرض المدرجة) وقد تم حرثه وإعداده للزراعة، وقديما كان الأوائل يستخدمون المحراث أو (الهيس) لتقليب الأرض قبل حلول الشتاء أملين بحصاد موسم زاخر بالعطاء يقيهم شظف العيش.

وينتقل الظهوري بنا إلى وسط القرية ليشرح لنا فكرة الأوائل في جمع مياه الأمطار، فيقول: لقد كانت مصادر المياه في السابق شحيحة، الأمر الذي دعا سكان المنطقة إلى ابتكار طرق تساعدهم على جمع مياه الأمطار والمحافظة عليها، ومنها هذه البركة التي عادة ما كانت تنشأ في منحدرات الجبال، فكانوا قبل حلول الشتاء يقومون بترميم الأفلاج (القنوات المائية) وتنظيفها من الحجارة والشوائب، لتتمكن من نقل المياه إلى بركة صغيرة الحجم تتجمع فيها المياه لتتصفى من الشوائب لتنتقل بعد ذلك إلى واحدة أكبر تمهيداً لتخزينها واستخدامها وقت الحاجه. وبالقرب من البركة قام سعيد ببناء نموذج للطوي (البئر) وو وضع عليه (المنيور) وهي قطعة خشبيه تقوم مقام (البكرة) وتستخدم لسحب المياه من البئر، وبجانبها علق نموذج للدلو الذي كان يستخدمه الأجداد، وقد صنع من الإطار الداخلي للسيارات.

في الجهة المقابلة، أنشأ الظهوري نماذج عدة من البيوت التي سكنها أهل الإمارات قديما ، وقد اختلفت في شكلها وتصميمها وحتى حجارتها، وعند سؤالنا عن ذلك قال: لكل واحد منها استخدامه، فهذه غرفة (الدهريز) التي تتميز بكثرة شبابيكها، وكان يستخدمها اصحاب الدخول الجيدة من أهل الساحل في فصل الصيف، والنموذج الثاني لبيت (القفل)، وهو عبارة عن غرفة تحفر في الأرض أو كهف جبل، وتوصد من كل الجهات ويصمم لها باب كبير وقوي وعادة ما كان يصنع من خشب السدر، ويتميز هذا الباب بطريقة إغلاقه المعقدة ، حيث لا يمكن لأحد فتحه سوى صاحب البيت، ويطلق على المفتاح اسم (العلق) وهو عبارة عن قطعة حديد رفيعة ومعقوفة من الأمام.

أما النموذج الثالث فهو لبيوت (الصفة أو العقة) وتكون جدرانها من الحجارة وتغطى (بالدعن) المصنوع من سعف النخيل، ويسمى بابها بالصفارة ويصنع هو الآخر من سعف النخيل، وتتميز البيوت بكثرة فتحاتها، واعتاد أهل الجبل على استخدامها كمجلس لاستقبال الضيوف، وكمصيف في الوقت ذاته، وأمام بيت (الصفة) تقع مواقد للنار واحدة كبيرة تستخدم للطبخ، حيث يوضع عليها (منجل) اللحم والعيش (الارز).

وكانوا قديما يقومون بوضع الجمرات على الغطاء العلوي للمنجل (طنجرة كبيرة الحجم) للمحافظة على الطعام ساخنا، وهناك أيضا موقد آخر أصغر حجما ويستخدم لإعداد القهوة، وبالقرب منهما وضع (المخض) الذي يستخدم لتحويل الحليب إلى لبن وزبدة وروب وجبنة، وبجانب بيت (الصفة) تقع (الدكة) وهي منصة ترتفع عن الأرض بمقدار ثلاث درجات، يجتمع عليها أهل البيت للسمر والسهر خاصة في فصل الصيف.

وإلى جانبها انشأ سعيد نموذجا للمطبخ القديم، عبارة عن غرفة صغيرة الحجم مغلقة من جميع الجهات إلا الأمامية منها، وتترك مفتوحة لتساعد على تجديد الهواء فيه. وبالقرب من المطبخ يطالعنا مجلس كبير يتسع لنحو 30 شخصا، وقد فرش بالحصير وغطي بسعف النخيل، ويتوسطه (المكب) الذي كانت تستخدم لتغطية الطعام وكذلك دلة القهوة، وعادة ما كان يستخدم لاستقبال الضيوف.

متحف شخصي

بداخل هذه الغرف يعرض سعيد ما جمعته يداه من عديد القطع الأثرية القديمة التي ورث بعضها عن والديه، والبعض الآخر قام بشرائه، وتتراوح هذه القطع بين الأواني الفخارية، والبنادق والبارود والسيوف والعصي التي دأب أهل الجبل على استخدامها قديما، وصندوق المندوس المصنوع من الخشب، وقيود حديدية قديمة، وأحذية مصنوعة من إطارات السيارات، وحذاء آخر يسمى(دخس) مصنوع من جلد الجرجور والحيوانات، وبقي يستخدم حتى أعوام الخمسينات، والمهبشة قطعة خشبية كانت تستخدم لقطع النخيل، وإلى جانبها العديد من دلات القهوة النحاسية، ونموذجا لطبل المرواح، والمبقلة والداس (المنجل) والمقده (السكين) وهي أداوت مصنوعة من الخشب والحديد وكانت تستخدم في الزراعة.

لقد كانت الرحلة رائعة بمعنى الكلمة، فالهدوء الذي يصبغ المكان يشد بطريقة غريبة وكذلك المنظر العام المقابل للقرية حيث تتوزع بعض البيوت القديمة التي ما زالت تستخدم حتى اللحظة، هناك تجد ان كل شيء لا يزال يعيش على بساطته لم يتأثر برياح التطور والتغيير

غسان خروب