وسط تخوفات أحاطت بمسار العلاقات بين الهند وباكستان على خلفية الهجمات التي تعرضت لها مدينة مومباي نوفمبر الماضي، أثار إعلان إسلام آباد إعادة نشر بعض قواتها التي تتمركز في منطقة القبائل قرب أفغانستان إلى حدودها مع الهند قلق كبير من اندلاع حرب جديدة بين الدولتين قد تؤدي إلى انهيار الأوضاع في المنطقة.

ومما عزز من تلك المخاوف الدعوات المتزايدة على الجانب الهندي بشن هجوم على باكستان انتقاما من الهجمات بدعوى تورط جماعات تتخذ من الأراضي الباكستانية وتحظى بدعم رسمي منطلقا لها. غير أن التناول الهادئ لهذه التطورات يستبعد وصول العلاقات بين الدولتين إلى مرحلة خوض حرب شاملة أو حتى مناوشات عسكرية وهو الاستنتاج الذي يمكن الوصول إليه من متابعة مواقف الدولتين الرسمية وغير الرسمية منذ وقوع الهجمات.

فرغم السخط الذي أعقب الهجمات على الجانب الهندي وانعكس في مطالبات بشن عملية عسكرية ضد إسلام أباد إلا أن المسؤولين الرسميين حرصوا على اعتبار مثل هذا الأمر ليس حلا عمليا للمشكلة رغم تأكيدهم أن منفذي الاعتداءات قدموا من باكستان. وفي مواجهة ذلك فقد كان مطلب نيودلهي الأساسي هو قيام باكستان باعتقال عدد من الأشخاص لدى جهات مسؤولة عن الهجمات بينهم 20 باكستانيا تعتقد دلهي بأنهم موجودون في باكستان.

غير أن إسلام آباد التي رفضت في البداية الطلب الهندي عارضة إجراء تحقيق مشترك في الهجمات قوبل بمعارضة نيودلهي أقدمت على اعتقال مشتبه باشتراكه في تدبير الهجمات فضلا عن مجموعة أشخاص آخرين للتحقيق معهم حول علاقتهم بالهجمات. وقد جاءت تلك الخطوة على ما يبدو في ضوء تيقن باكستان من صحة اتهامات نيودلهي حيث اعترف المسلح الناجي الوحيدة من الهجمات ويوجد قيد الاعتقال في الهند بأنه وباقي عناصر المجموعة المسلحة من باكستان.

وتشير هذه الخطوة إلى اتخاذ مسار حل القضية سلميا بين البلدين وفي إطار من التعاون بينهما الأمر الذي يعززه قيام دلهي بتسليم إسلام آباد منذ أيام أدلة تثبت تورط عناصر باكستانية في الهجمات مطالبة السلطات الباكستانية بتنفيذ الالتزامات التي قطعتها على نفسها على أعلى المستويات أمام الهند وبتنفيذ التزاماتها إزاء المجتمع الدولي. وتتضمن الأدلة مجمل الاعترافات التي أدلى بها الناجي الوحيد من الحادث وتفاصيل الاتصالات التي أجراها منفذو العمليات مع عناصر موجودة داخل باكستان أثناء وقوع الهجمات وأسلحة ومعدات متنوعة سقطت في أيدي القوات الهندية وغير ذلك.

يشير ذلك إلى حرص الطرفين على التعاطي الهادئ مع القضية وذلك في ضوء عدة اعتبارات يأتي على رأسها إدراكهما للآثار الكارثية التي يمكن أن تنجم عن مثل هذه العمليات، ومخاطر وصول الموقف إلى مرتبة حرب شاملة، وهو أمر يعززه إبداء باكستان روح تعاونية خاصة في ظل طبيعة التوجهات الجديدة للقيادة الحالية في باكستان والتي تخوض حربا مع من يتم وصفهم بالمتطرفين على عكس تبني أنظمة باكستانية سابقة لبعض الجماعات المتشددة.

فضلا عن ذلك فإن اندلاع نزاع كبير بين البلدين ليس في مصلحة القوى الدولية الرئيسية حاليا، خاصة الولايات المتحدة التي تسعى إلى تجييش جهود إسلام آباد لمواجهة الموقف الخطر في أفغانستان وعلى منطقة الحدود ما دعا واشنطن إلى الضغط على إسلام آباد من أجل اتخاذ إجراءات قوية ضد الجماعات المسلحة التي تنشط على أراضيها ومن بينها جماعة عسكر طيبة.

وفي ذات الوقت التدخل لدى دلهي من أجل تجنب التصعيد غير الضروري على خلفية الهجمات.

ويعني ذلك في التحليل النهائي أنه رغم التأثيرات السلبية لهجمات مومباي على مسيرة العلاقات بين الجارتين الكبيرتين والتي شهدت تحسنا كبيرا خلال السنوات الأخيرة، إلا أنها لا يمكن أن ترتقي إلى عمليات عسكرية في ضوء العديد من الظروف على مستوى الدولتين وأخرى يمر بها النظام الدولي.