هل يمكن لأحد أن يتصور من الآن أن تلقى الولايات المتحدة الأميركية المصير نفسه الذي لقاه الاتحاد السوفييتي وتتفتت إلى دويلات ؟ إذا كان أمر مثل هذا لا يتصوره أحد الآن رغم الأزمة المالية العالمية التي تهدد الاقتصاد الأميركي بشكل جاد وخطير، فما بالنا لو طرح أحد مثل هذا الأمر منذ عشرة أعوام مضت وأميركا في قمة قوتها؟
هذه النبوءة، أو بمعنى أدق هذه الأطروحة طرحها خبير اقتصادي روسي عام 1998 في مؤتمر دولي ، وقوبلت آنذاك بالسخرية والتهكم، خاصة عندما أعلن الخبير الروسي أن مثل انهيار وتفتيت الولايات المتحدة سيبدأ بعد اندلاع أزمة مالية عالمية ستصيب الاقتصاد الأميركي في الصميم، والأمر الغريب أن الخبير حدد موعد الأزمة بأنها ستكون «بالتحديد» عام 2009، كيف يمكن تصديق مثل هذا الكلام في عام 1998 عندما كانت الولايات المتحدة في أقوى جبروتها العسكري والاقتصادي وتحظى بلقب القطب الأوحد المهيمن على الساحة الدولية بدون منافس.
في عام 1998 في العاصمة النمساوية فيينا انعقد مؤتمرا دوليا تحت عنوان «الحرب المعلوماتية» حضره أربعمئة مندوب من مختلف دول العالم بينهم مئة وخمسون مندوبا من الولايات المتحدة وحدها، وكان من روسيا البروفيسور إيجور بنارين عميد كلية العلاقات الدولية في الأكاديمية الدبلوماسية التابعة لوزارة الخارجية الروسية.وهو واحد من أكبر خبراء الاقتصاد السياسي في روسيا، وقف بنارين في المؤتمر ليلقي كلمته الطويلة التي جذبت الحضور بشدة وأثارت دهشتهم وصيحاتهم في قاعة المؤتمر، خاصة عندما قال بنارين ان «الولايات المتحدة ستلقى مصير الاتحاد السوفييتي وستتفكك إلى أجزاء»، والأكثر من ذلك أن بنارين في كلمته في المؤتمر تنبأ بأن الولايات المتحدة «ستواجه أزمة مالية حادة في غضون العشرة أعوام القادمة ستكون هي بداية انهيار الهرم الكبير».
على صدر «وول ستريت»: ما قاله البروفيسور الروسي بنارين منذ عشرة أعوام ذهب طي النسيان، ثم عاد ليطفو على السطح في الأيام الماضية ليجذب اهتمام وانتباه الكثيرين، ليس في روسيا وحدها، بل في معظم دول العالم، وقد نشرت مجلة «وول ستريت» في الأسبوع الأخير من العام 2008 المنصرم مقالا على صدر صفحاتها تحت عنوان «بروفيسور روسي يتنبأ بانهيار الولايات المتحدة» وأجرت المجلة مناقشات واسعة حول هذا الموضوع، ووصل الأمر إلى حد طرح الموضوع على المتحدث باسم البيت البيض يوم 29 ديسمبر والذي رفض التعليق على أسئلة الصحفيين حول هذه المسألة.
الآن بعد عشرة أعوام في حوار له في 24 نوفمبر الماضي مع صحيفة «إزفستيا» الروسية يقول البرفيسور بنارين «لقد قلت للحضور في مؤتمر فيينا عام 1998 أن ديون الولايات المتحدة التي لم تكن موجودة عام 1980 تتضاعف بسرعة وأنها وصلت لتريليونين وستتعدى العشرة تريليونات في أقل من عشرة أعوام، ولم يصدقوني آنذاك.
ولكن هذا ما حدث، وقد بدأ الانهيار بالفعل حيث انهار ثلاثة من أكبر خمسة بنوك في أميركا والآخران على وشك الانهيار، والجميع الآن ينفضون عن الولايات المتحدة و يطالبون بتغيير النظام المالي العالمي الذي اعتمد على الدولار وعلى الاقتصاد الأمريكي أكثر من نصف قرن مضى».
نبوءة محكمة
ويقول بنارين في حديثه «إن الأزمة المالية ستتفاقم بشدة في الولايات المتحدة ، وأن مستوى البطالة سيرتفع بشكل خيالي والشركات الكبيرة ستنهار الواحدة تلو الأخرى، وقد بدأت بالفعل بعمالقة السيارات جنرال موتورز وفورد و كرايسلر والبقية ستأتي قريبا، وهذه الشركات العملاقة تشكل في أميركا مدنا كبيرة بمئات الآلاف من العاملين فيها مع عائلاتهم والمؤسسات المعيشية والاجتماعية التابعة لهم، وهذا يعني أن مدنا كبيرة بأكملها ستنقطع عنها وسائل المعيشة وتتوقف فيها الحياة ،ولا يملك المركز الفيدرالي ما يقدمه لها، والرئيس الجديد أوباما لا يملك عصا سحرية وسوف يعلن في الربيع المقبل على الأكثر عدم قدرة إدارته على مواجهة الأزمة الكارثية»
ويتوقع بنارين مع تفاقم الأزمة أن تصدر قرارات عشوائية من الإدارة الأمريكية القادمة ومنها قرار بإلغاء ورقة المائة دولار قبل أن تنهار قيمتها بشكل حاد . وحول تفتيت الولايات المتحدة إلى أجزاء، يقول البروفيسور بنارين لصحيفة إزفستيا «لقد شرحت لهم هذا الأمر في مؤتمر فيينا، وقلت ان الولايات المتحدة تتكون من ستة أجزاء كبيرة، وهناك أجزاء غنية بثرواتها الطبيعية الهائلة وأجزاء فقيرة وتسكنها تجمعات سكانية كبيرة تعيش عالة على هذه الأجزاء الغنية.
وهناك جزء على ساحل المحيط الهادئ يسيطر عليه الصينيون وخاصة في سان فرانسيسكو التي يسمونها بوابة الصين إلى أميركا، وكان هناك حاكم لولاية واشنطن من أصل صيني هو جاري فاي لوك الذي انتخب مرتين. وهناك جزء في الجنوب يسيطر عليه المكسيكيون وتسود فيه اللغة الأسبانية ويعتبره المكسيكيون خاضع للاحتلال الأمريكي ، وهناك ولاية تكساس الكبيرة الغنية التي تنتشر فيها الجماعات والتنظيمات التي تطالب وتناضل من أجل استقلالها عن الولايات المتحدة منذ سنوات طويلة مضت، وفي الساحل الأطلسي ووسط أميركا خمسة ولايات فقيرة تسكنها غالبية من الهنود الحمر الذين سبق لهم أن أعلنوا استقلالهم أكثر من مرة وكان يتم التعامل مع هذا الأمر بسخرية وعدم اهتمام، وهناك شمال الولايات المتحدة الذي يخضع للنفوذ الكندي وتسوده قوانين كندية.
تعتيم إعلامي
وهذه التقسيمات والأجزاء كانت تبدو من بعيد هادئة لأن الإعلام الأمريكي الموجه للعالم لا يتناول قضايا حركات التحرر والتنظيمات السياسية غير الرسمية المنتشرة في مختلف الولايات، الأمر الذي يجعلنا هنا نعتقد أن الأمور هادئة تماما هناك عبر الأطلسي، ولكن الحقيقة والواقع غير ذلك تماما، وتفاقم الأزمة المالية والانهيار الاقتصادي سيفجر قضايا الاستقلال في هذه الأجزاء مرة واحدة، وعندها ستنتفض حركات الاستقلال والتحرر في مختلف الولايات، وسترحب ولاية مثل ألاسكا بالعودة للوطن الأم روسيا الغنية المستقرة باعتبار أن ألاسكا مستأجرة بعقد امتياز منتهية مدته منذ عقد من الزمن».
ويختم بنارين حديثه لصحيفة إزفستيا قائلا «إنني أنصح روسيا والصين وكل دولة تريد أن تفلت من الانهيار أن تفك ارتباطاتها بسرعة بالدولار الأمريكي الذي سينهار للحضيض»، ويقول «على الدول أن تقطع حبالها بتيتانيك و تنجو بنفسها قبل أن تغرق معها».
هذا السيناريو الذي يطرحه البروفيسور بنارين ، والذي يبدو للكثيرين خياليا يجد له أنصار كثيرين يؤيدوه في روسيا والصين وأوروبا، حيث يتوقع كبار الخبراء الاقتصاديين ألا تخرج الولايات المتحدة من هذه الأزمة المالية سالمة ولا بعد أعوام وهذا ما أشار إليه البروفيسور أوليفيه بلانشار رئيس القسم الاقتصادي في صندوق النقد الدولي في الاجتماع السنوي للصندوق في واشنطن في أواخر أكتوبر الماضي.
وذهب إلى أن هذه الأزمة تختلف تماما عن سابقاتها في التاريخ لأنها تأتي في ظل العولمة ونظام مالي واقتصادي عالمي ومتشعب لا يمكن حصر ثغراته وأمراضه المستعصية، وان هذه الأزمة ستكون من الخطورة والضخامة التي لا يمكن توقع أبعادها وتداعياتها، كما أن الإدارة الأمريكية الجديدة غير متفائلة تماما ، حيث صرح جيمس بايدن نائب الرئيس أوباما بأن الاقتصاد الأمريكي يواجه أزمة كارثية يصعب مواجهتها، كما صرح الرئيس الأمريكي القادم باراك أوباما بأن الاقتصاد الأميركي المنهك لا يمكن أن يواجه مزيدا من التحديات.
مخاوف أوباما
وقال اوباما في كلمته الإذاعية الأسبوعية والتي تنشر على شبكة الانترنت «ونحن نحتفل ببدء عام جديد فإننا نعرف أيضا أن الأمريكيين يواجهون تحديات عظيمة متنامية، تحديات تهدد اقتصاد البلاد وتهدد أحلامنا بشأن المستقبل». وقال أوباما «المشاكل التي نواجهها اليوم ليست مشاكل ديمقراطية أو جمهورية إنها مشاكل أمريكا ويجب أن نتحد معا كأميركيين لمواجهتها بالسرعة التي تقتضيها هذه اللحظة ، وإذا لم تتحرك الولايات المتحدة بسرعة وجرأة فإن الحلم الأمريكي سيتدهور ويصبح أصعب في تحقيقه».
أيا كان تصورنا لما يقوله البروفيسور الروسي بنارين الذي توقع الأزمة المالية الحالية منذ عشرة أعوام وحدد موعدها في مؤتمر دولي، فإن الأمر وإن كان خياليا لدى الكثيرين، فإن نشأة الولايات المتحدة ذاتها جاءت من فكرة خيالية، وعلى ذلك فإن الموقف قد يتطلب من دول العالم عدم انتظار ما سيحدث هناك عبر الأطلسي ليقدم رد الفعل عليه ، بل على الجميع ، ونحن العرب على رأسهم ، أن نبادر بالفعل قبل أن تمتلئ قوارب الإنقاذ ولا نجد لنا فيها مكان
د. مغازي البدراوي



