لا تزال الإجراءات الحكومية السورية المتعلقة بإصدار قسائم وزعت على المواطنين السوريين هذا الشتاء تلاقي، معارضة من قبل شرائح متعددة في المجتمع السوري منهم العراقيون اللاجئون الذين زيد عددهم على المليون ونصف المليون نسمة، بسبب رفع سعر وقود التدفئة لغير الحاصلين على تلك القسائم.
وكان من شأن ذلك أن قررت الحكومة السورية إعادة النظر بقرارها حيث أكد وزير المالية السوري محمد الحسين أن (مجلس الوزراء السوري شكل لجنة على أعلى المستويات لدراسة موضوع أسعار المشتقات النفطية محليا في ضوء انخفاض أسعار النفط عالميا).
وحول قسائم المازوت، قال الحسين إن (أسلوب القسائم حمل الكثير من الثغرات حيث خلق سوقا سوداء بسبب وجود سعرين في البلد، كما أن القسائم نفسها أصبحت تزور وتباع وتتداول، فيما قام الكثير من السوريين ببيع هذه القسائم بأسعار اقل من قيمتها الحقيقية).
مشكلة العراقيين
وقد وقع اللاجئون العراقيون في سوريا في مشكلة عويصة بسبب تعدد الجهات المسؤولة عنهم وبين ازدياد وطأة البرد بعد ارتفاع أسعار وقود التدفئة هذا العام، فالحكومة السورية التي قامت بزيادة أسعار المازوت والمشتقات النفطية الأخرى، والتي كانت تباع بأسعار مدعومة وفرت للمواطنين السوريين المازوت المدعوم عن طريق توزيع قسائم لكل عائلة توفر ألف لتر من المازوت بسعر 9 ليرات فيما يتوجب على الآخرين شراء المازوت بسعر 25 ليرة للتر الواحد، ومنهم العراقيون وباقي اللاجئين إلى سوريا.
ومع ارتفاع أسعار الكهرباء والغاز تبدو البدائل الأخرى للتدفئة معضلة حقيقية للاجئين العراقيين في سوريا الذين يعاني معظمهم من ظروف اقتصادية صعبة ويعيش أكثرهم على الكفاف. ومن الناحية العملية فإن المسؤولية عن هذا الوضع تتوزع على ثلاث جهات هي الحكومة السورية والحكومة العراقية والأمم المتحدة، غير أنه لكل جهة من هذه الجهات مبررها الذي يمنعها من حل هذه المعضلة.
فقد بررت الحكومة السورية زيادة أسعار المشتقات النفطية بارتفاع أسعار النفط والمبالغ الكبيرة التي تصرف على توفير الدعم للمشتقات النفطية، وتأتي هذه الإجراءات في إطار خطة الإصلاح الاقتصادي الذي تتبناه الحكومة السورية والتي تتضمن رفع الدعم بصورة تدريجية حيث من المتوقع أن يرفع الدعم بشكل كامل حتى بالنسبة للمواطنين السوريين في مرحلة لاحقة.
وعلى الرغم من الانخفاض الشديد في أسعار النفط العالمية حيث انخفض سعر البرميل حوالي 100 دولار ، إلا أن الحكومة السورية لم تخفض أسعار المشتقات النفطية إلى الآن كما فعلت دول أخرى مثل الأردن ولبنان .
وذكر موقع (سوريا الغد) أن معظم اللاجئين العراقيين في سوريا هم من محدودي الدخل الذين يوفرون بالكاد المال الضروري لدفع إيجار المنازل التي يستأجرونها وتوفير الغذاء والدواء الضروريين، لذلك تشكل معضلة التدفئة عبئا إضافيا على كواهلهم المتعبة ، خاصة مع الشتاء القاسي الذي تعرف به سوريا.
تعدد الجهات المسؤولة
ويرى الكاتب العراقي ظافر الجنابي أن اللاجئين العراقيين في سوريا يأملون في أن تتحرك جهة ما لمساعدتهم على تجاوز هذه العقبة، فبعض اللاجئين يأملون أن تراجع الحكومة السورية موقفها وأن تشملهم بقسائم المازوت ولو بنصف الحصة المخصصة للسوريين، غير أن هذا الأمل يبدو بعيد المنال خاصة أن الفريق الاقتصادي المسؤول عن رسم السياسة الاقتصادية في الحكومة السورية عد استفادة اللاجئين والمقيمين غير السوريين من المازوت المدعوم أحد الأسباب المبررة لما اسماه (إعادة توزيع الدعم) بالإضافة إلى أسباب أخرى.
ويضيف الجنابي أن عراقيين آخرين يأملون في أن تتدخل الأمم المتحدة لإنجاد اللاجئين وتوفير المازوت المدعوم لهم، خاصة وأن وكالات الأمم المتحدة الخاصة بإغاثة اللاجئين تقوم بتقديم بعض الخدمات للعراقيين في سوريا مثل العلاج وتوزيع مواد غذائية ودفع مرتبات مالية في بعض الحالات، إلا أن الأمم المتحدة تشتكي من قلة الأموال المخصصة لإغاثة اللاجئين العراقيين وقد قامت فعلا بتقليص بعض الخدمات التي كانت تقدمها للاجئين العراقيين، لذلك يعتبر تقدمها بحل لهذه المشكلة أمرا مستبعدا هو الآخر.
ويحمل الجنابي الحكومة العراقية المسؤولية المباشرة عن هذا الوضع فهي المعني الأول بمساعدة مواطنيها وإغاثتهم كما يفترض، ومن الواجب عليها المبادرة لتقديم حل لهذه الأزمة، إلا أن الحكومة العراقية تبدو غير متحمسة لاتخاذ إجراء في هذه القضية، لأنها تعمل على إعادة اللاجئين العراقيين إلى العراق لأسباب عديدة منها أن هذه العودة ستكون دليلا على تحسن الوضع الأمني في العراق ونقطة أخرى تسجل لصالح حكومة المالكي.
ومنها أن قضية اللاجئين العراقيين في خارج العراق والذين وصلت أعدادهم إلى أربعة ملايين لاجئ هي شتيمة في حق الحكومة العراقية ووصمة سوداء في سجلها ودليل على فشلها وهي تعمل على إغلاقها بكل سبيل ممكن، ومنها كذلك أن الحكومة العراقية تريد التخلص من معارضيها الذين يتخذون من أقطار عربية وأجنبية ساحة لنشاطاتهم السياسية المعارضة لحكومة المالكي وللاحتلال الأمريكي وتريد إدخال هؤلاء المعارضين تحت جناحها والسيطرة عليهم بمختلف وسائل الترغيب والترهيب، بالإضافة إلى أسباب أخرى، لذلك فإنه من المستبعد أن تبادر الحكومة العراقية لحل هذا الملف.
وبانتظار أن تتحرك جهة ما لإغاثة اللاجئين العراقيين، فليس على هؤلاء اللاجئين سوى تدبير أمورهم بإمكاناتهم الذاتية، أو تحمل برد الشتاء القارص الذي سيعاني منه بشكل أساسي محدودي الدخل وبخاصة الأطفال والمرضى وكبار السن.
تيسير أحمد
