تولد عن التغييرات المشهودة التى حدثت على المسرح الدولي فى السنوات الأخيرة فكر جديد ومواقف جديدة ونهوج جديدة فيما يتعلق بالتنمية .

فلقد تكشّف البحث عن رؤية جديدة للتنمية تتمشى مع الحقائق الجديدة فى الإصلاحات المتعلقة بالسياسة الاقتصادية الرامية الى تعزيز اندماجها الفعلي فى الاقتصاد العالمي، وترتبط هذه الإصلاحات أساسا بالانتقال من سياسة التوجه الداخلي الى بدائل الاستيراد الى سياسات التوجه الخارجي الى التصدير والسياسات الإنمائية القائمة على السوق بكل ما يلازمها من ملامح كتحرير التجارة وإعادة تنظيم الاقتصادات المحلية وتحرير الأسعار وإلغاء الدعم والتحرك نحو العملة القابلة للتحويل وخصخصة الإنتاج المملوك للدولة وتحرير قوانين الاستثمار بغية التشجيع على زيادة الاستثمار الأجنبى.

لهذا تقدمت مصر ودولة الكويت بمبادرة مشتركة لقعد قمة عربية في الكويت لتعزيز العمل العربي المشترك في مواجهة التحديات التي تمس الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تحيط بحياة وكرامة المواطن العربي، ومن ثم حوت المذكرة التفسيرية ستة تحديات تواجه الأمة العربية تتمثل في: تفاقم معدلات الفقر والبطالة بين أبناء الوطن العربي، تدهور الأوضاع المعيشية للمواطن بشكل عام، وتواضع حجم التجارة العربية البينية وتواضع حجم الاستثمارات المحلية، هجرة رؤوس الأموال والعقول والكفاءات العربية إلى الخارج، ضعف البنية التحتية، وعدم مواكبة مخرجات العملية التعليمية لاحتياجات التنمية ومتطلبات المنافسة العالمية.

شكوك حول الانعقاد

ومن ثم تنظر الشعوب العربية باهتمام كبير الي القمة الاقتصادية العربية، رغم التطورات الأخيرة التي تطرح شكوكا بشأن عقدها، باعتبارها تمثل نقطة انطلاق لاستكمال مشروع التكامل الاقليمي العربي بجميع جوانبه لتعزيز الأمن القومي العربي بمفهومه الشامل، وإقامة مشروعات وبرامج تنموية يشعر بها المواطن العربي، ومواجهة مشكلات البطالة والغذاء والتخلف وتطوير التعليم والصحة في العالم العربي.

ولأول مرة تعقد قمة عربية لا يبدو فيها أن اعتبارات الاقتصاد السياسي هي التي أملته، وإنما الحكم الموضوعي بأن التعاون الاقتصادي فيما بين البلدان العربية يشكل أداة هامة لزيادة مشاركتنا في الاقتصاد العالمي، وهذه نقطة تحسب للقمة الاقتصادية.

لقد ظل أمر التعاون الاقتصادي العربي متروكا بصفة عامة للمسؤولين الحكوميين والوزراء ورؤساء الدول الذين يجتمعون لاعتماد جميع البرامج والجداول الزمنية لتنفيذها، وفى الغالب لا يشترك قطاع المؤسسات فى صياغة هذه البرامج، ومن ثم لا تستطيع المؤسسات أن تترجم البرامج المتفق عليها علي أرض الواقع.

منطقة التجارة الحرة

وعندما تقرر إنشاء منطقة للتجارة الحرة ـ وهى أولى مراحل التعاون نحو التكامل الاقتصادي العربي، فهناك خمسة مراحل تحددها الاقتصاديات الدولية (منطقة التجارة الحرة، الاتحاد الجمركي، السوق المشتركة، الاتحاد الاقتصادي ثم الاتحاد الاقتصادي الكامل) كان هناك رغبة فى الانتهاء منها فى أقصر فترة ممكنة، غير أن البعض لم يتمكن من الحفاظ على السرعة بسبب .

الفوارق الواسعة فى مراحل التنمية والهياكل التعريفية وسياسات الاقتصاد الكبير، وكان من بين العوامل التى ساهمت في تقوض الفعالية المشاركة في أكثر من تجمع مما أدى إلى تضارب الغايات، إضافة إلى تأخر التنفيذ لعدم كفاية قدرة المؤسسات على التنفيذ الكامل للبرامج المتفق عليها، وقد سجلت حالات لم تنفذ فيها السياسات إلا بعد اعتمادها الرسمى بزمن طويل.

لكن بيئة تعاون المؤسسات تغيرت فى الأعوام القليلة الماضية كنتيجة مشتركة لتغيرات فى طرق التعاون فيما بين البلدان العربية، وفى سياستها الاقتصادية (وبشكل خاص التحرير والخصخصة)، وفى قدرة ودور مؤسسات البلدان العربية نفسها، وفى تزايد تكامل الأسواق. وقد رافق هذه التغيرات فى السياسات أيضاً توسع سريع فى قدرة المؤسسات الاستثمارية وارتفاع ملحوظ فى حيويتها. وأظهر عدد من مؤسسات البلدان العربية تنويعاً كبيراً وقدرة كبيرة على الاستثمار فى مختلف القطاعات. وهذا الدفع الاستثماري تشهد به جميع الإحصاءات الحديثة.

ومع هذا أدركت الشعوب العربية من الخبرات السابقة أن تحرير التجارة وحده لا يؤدى الى توسيع فى التجارة ما لم يقترن بالتعاون فى الانتاج والاستثمار ولاسيما مع إشراك قطاع المشاريع ومشاركيه، وفى تطوير وإقامة شبكات للهياكل الأساسية المادية. وبالتالى يتزايد الاهتمام حاليا بتعزيز التعاون فى مجال إعداد هذه الهياكل جميعها الداعمة للتجارة والتى تسهم فى ايجاد بيئة ملائمة للتعاون الاقتصادى، وفى مجال التعاون النقدي والمالي، استحدثت أدوات جديدة فى المخططات الموجودة وانشئت مرافق جديدة.

وسجلت أيضاً تغيرات تحريرية رئيسية فى قوانين وأنظمة الاستثمار الأجنبى فى البلدان العربية، يتعلق الكثير منها بالملكية والسيطرة، وإجراءات الموافقة، وإعادة رؤوس الأموال إلى الوطن وتحويل الأرباح، والحوافز الوطنية وغير ذلك من التدابير. وقد تم تعديل معظم أنظمة الاستثمار والمشاريع المشتركة المقامة فى البلدان العربية، واعتمدت أنظمة وتدابير أخرى جديدة لتسهيل الاستثمارات داخل المنطقة.

تعزيز القطاع الخاص ومن ثم سيركز المؤتمر على الدور الهام الذي يمكن ان يلعبه القطاع الخاص في المرحلة القادمة، لهذا لعب القطاع الخاص والمجتمع المدني دورا كبيرا للإعداد لهذه القمة ولصياغة أجندته، إضافة إلى التركيز على قطاعات بعينها، كما وضح منذ البداية أن القمة لا تتحدث عن شعارات ولا تصريحات ولا حتى قائمة مشروعات و لكنها تتحدث عن قطاعات محددة

سوف تسعى الدول العربية لتحريرها وفتحها وتشجيع الاستثمارات فيها وهي قطاعات مؤثرة جدا في العمل الجماعي العربي وفي رفع مستوى المواطن العربي، أهمها ما يتعلق بتنمية التجارة العربية، والانتقال من مرحلة الاتحاد الجمركي وصولا إلي السوق العربية المشتركة، حيث تقرر رفع نسبة التجارة العربية البينية من نسبتها الحالية إلى 02% خلال السنوات الخمس المقبلة.

ومن ثم سيكون هناك تركيز على منظومة النقل سواء البحري أو الطرق أو السكك الحديدية او الجوي والبنية التحتية (أحد العوائق الهامة امام التجارة، فتكاليف النقل أعلى بين البلدان العربية منها بين البلدان العربية والمتقدمة)، كما أن معظم هياكل النقل الأساسية فى البلدان العربية قد بنيت على أساس دعم التجارة بين الجنوب والشمال.

وتعتبر تجارة الخدمات المحرك الرئيسي للتجارة البينية بين الدول العربية، نظرا لأنها تتجاوز في بعض الأحيان أكثر من 50% من الناتج المحلي الإجمالي العربي. ولهذا فهي أخذت تكتسب أهمية متزايدة كعنصر من عناصر الاتفاقات الاقليمية، وأدى تزايد إدراك البلدان العربية للأهمية الحاسمة التى تتسم بها التجارة في الخدمات، ولتأثيرها على عملية التنمية الى ظهور التحدى المتمثل فى ضرورة إنعاش مخططات التعاون الحالية من خلال إدراج الخدمات فى اتفاقات التعاون والتكامل، بغية استيفاء أحكام المادة الخامسة من الاتفاق العام بشأن التجارة فى الخدمات، التى تكفل المشروعية لهذه الترتيبات، والمادة الخامسة من الاتفاق العام بشأن التجارة فى الخدمات مماثلة للمادة الرابعة والعشرين من اتفاق الجات المتعلقة باتفاقات التجارة الحرة والاتحادات الجمركية، ولكنها تتضمن معايير مختلفة وتنطوي على قدر من المرونة فيما يتعلق ببحث التجمعات فيما بين البلدان النامية.

ولا ينبغي النظر إلى التجارة بين الدول العربية كبديل عن التجارة بين الدول العربية والشمال. فسيظل الشمال المقصد الرئيسي لصادرات البلدان العربية ومصدراً أساسياً للواردات. وسيظل الوصول إلى أسواق الشمال والدخول فيها مفتاح النجاح التجاري لنا كعرب. لذلك يعتبر نهج التعاون الاقتصادي بين الدول العربية هام لدخول أسواق الشمال، فهناك أسباب موضوعية توضح المبررات الاقتصادية لهذا الخيار البين من قبل الدول العربية، فهناك بادئ ذي بدء، كون الغالبية الكبيرة من الدول العربية ذات اقتصادات صغيرة الحجم، بل أن أكبر اقتصاداتها صغيرة نسبيا، بالمعايير العالمية.

ويمكن لهذه الاقتصادات أن تكون قادرة على التنافس على الصعيد الدولي إذا ما تخصصت في قطاعات معينة وإذا ما تمكنت من المشاركة في التدفقات التجارية داخل الصناعة الواحدة. وإذا أرادت البلدان العربية بلوغ القدرة التنافسية والقابلة للاستمرار في أسواق احتكارات المنتجين القلائل في التجارة الدولية وجب على هذه البلدان أن تزيد اقتصادات الحجم لديها، كما يتعين عليها تجميع مواردها البشرية والمادية كلما أمكن ذلك. وثمة عنصر آخر يجب أن يكون موضع اهتمام يتمثل فى مواءمة السياسات المحلية وتوافقها مع العالم الخارجى فى السياق المتعدد الأطراف.

تعزيز تجارة الأغذية

وبالنظر إلى التعاون الضروري فى مجال الزراعة والانخفاض المحتمل فى التدفقات التساهلية للأغذية، والصعوبات التى من المتوقع أن نواجهها كعرب فى التعامل مع البيئة التجارية الأكثر تحرراً، فإن ثمة أسباباً طبيعية ومبررات اقتصادية لتوسع تجارة الأغذية بيننا. وفى هذا السياق، فإن التعاون الاقتصادي من أجل تعزيز تجارة الأغذية يتطلب اهتماما عاجلا.

وفى المقام الاول، يجب تذليل العقبات التى تعيق التجارة، وهذه المعوقات تتمثل في الافتقار للهياكل الأساسية مثل شبكات النقل الملائمة للتجارة، والافتقار إلى شبكات الأعمال عبر البلدان العربية، وعدم كفاية تمويل التجارة الذى يعيق التجارة بين البلدان العربية أكثر مما يعيق التجارة بينها وبين والشمال. والتعاون الاقتصادي فيما بين البلدان النامية من شأنه أن يؤثر تاثيرا إيجابيا على توقعات المستثمرين سواء كانوا أجانب أم من داخل المنطقة العربية.

ولقد شكل التعاون الاقتصادي فيما بين الدول العربية في السنوات الأخيرة عامل تعبئة في عملية التنسيق بين السياسات والأنظمة والمعايير الاقتصادية. فإذا أدرجت معظم الدول العربية في صكوكها التكاملية نفس القواعد والإجراءات والمعايير والممارسات التي تتمشى مع تلك التي نشأت في جولة أوروجواي، أصبحت عندئذ معايير المنتجات ، والقواعد التي تحكم إنشاء المؤسسات التجارية، والأنظمة البيئية تميل إلى تشكيل لبنات في بناء المشاركة في الاقتصاد العالمي، وبالتالي يشكل التعاون الاقتصادي فيما بين الدول العربية جسرا طبيعيا، إلى المشاركة الفعالة في الاقتصاد العالمي، كما يمكن أن يشكل بالنسبة للدول الصغيرة الوسيلة الوحيدة إلى تلك المشاركة.

وفى ضوء الأزمات والنكسات التي سجلت مؤخرا، يبدو التعاون فيما بين الأسواق المالية العربية أنسب فى توقيته من أى وقت مضى. لكن هناك معوقات بين الأسواق المالية العربية في حاجة إلى مواجهتها، حيث أن الاقتصاد الوطني لكل دولة لا يسمح باستيعاب التغييرات المفاجئة فى التدفقات المالية ، وعدم وجود معاملة تفضيلية للمستثمرين العرب، واختلاف معايير الإشراف في الأسواق المالية.

نعمان الزياتي