استحوذت القضايا الاقتصادية على جانب كبير من قمة مسقط التي عقدت بين قادة دول مجلس التعاون الخليجي، في نهاية ديسمبر الماضي. فقد ناقش المجتمعون قضايا اقتصادية متعددة علي مستوى التعاون المشترك الى جانب العلاقات الاقتصادية بين دول المجلس وأطراف دولية أخرى، ومنها اتفاقية التجارة الحرة مع أوروبا. فهذه القمة على خلاف ما سبقها عقدت في أجواء الأزمة الاقتصادية العالمية، مما أعطاها دفعة قوية للاهتمام بالقضايا الاقتصادية، وجعل منها قمة اقتصادية بامتياز.
وقد تناول البيان الختامي الموضوعات الاقتصادية بالتفصيل، مشيرا الى أن القادة اطلعوا على التقارير المرفوعة بشأن تسريع مسيرة العمل الخليجي المشترك، واعتمدوا الحلول التي تعزز التكامل الاقتصادي، وتعمق المواطنة الاقتصادية الخليجية. كما استعرض القادة في قمتهم سير العمل في السوق الخليجية المشتركة، واعتمدوا وثيقتها. وناقشوا سير العمل فيها وفي الاتحاد الجمركي وفي مشروع الاتحاد النقدي. وبحثوا استراتيجية التنمية الشاملة الممتدة حتى العام (2025م)، وكذلك مشروع الربط المائي، ومشروع سكة حديد دول المجلس، اجراءات تسهيل تنقل مواطني دول المجلس بواسطة البطاقة الذكية.
واعتمد القادة خلال قمتهم اتفاقية الاتحاد النقدي، والنظام الأساسي للمجلس النقدي، ودعوا الى سرعة المصادقة على الاتفاقية، ليتم إنشاء المجلس النقدي الذي سيتولى استكمال المتطلبات الفنية للاتحاد النقدي والتهيئة لتأسيس البنك المركزي وإصدار العملة الموحدة. ويعتبر الاتحاد النقدي المرحلة الأخيرة من الوحدة الاقتصادية الخليجية تلك التي بدأت منذ قمة أبوظبي في العام 1981. ففي تلك القمة وقع المجتمعون على الاتفاقية الاقتصادية الموحدة، التي دخلت دائرة التنفيذ في العام 2001.
وقد نصت في مادتها الثانية والعشرين على التعاون كمقدمة لتحقيق الاتحاد النقدي، فألزمت الدول الأعضاء بالعمل على تنسيق وتوحيد الأنظمة المالية والنقدية والمصرفية، والتعاون بين مؤسسات النقد والبنوك المركزية. لكن لم يكن من الممكن الوصول الى هذه الخطوة الا من خلال المرور عبر الاتحاد الجمركي والسوق الخليجية المشتركة اللذين مرا بعدة مراحل على النحو التالي:
أولا ـ الاتحاد الجمركي: سبق العمل بالاتحاد الجمركي الاتفاق على منطقة التجارة الحرة في العام 1983، واستمرت حتى يناير 2003 ، الذي شهد بداية انطلاق الاتحاد الجمركي، واستمر حتي ديسمبر2007. في هذه المرحلة تم الغاء الحواجز الجمركية بين الدول الأعضاء، بما يحولها الى منطقة جمركية واحدة، تخضع لنظم موحدة وتسمح بانتقال السلع والبضائع بين الدول الاعضاء، مما ساعد على انسياب التجارة ورؤوس الاموال.
ووفقا لاحصاءات الأمانة العامة لدول مجلس التعاون الخليجي فان التحارة البينية ارتفعت بين دول المجلس من عشرين مليار دولار عام 2002 الى 53 مليارا عام 2007، منها2،20 مليارا للواردات،و9،32 للصادرات. ثانيا- السوق المشتركة: دخلت الى التنفيذ اعتبارا من يناير 2008، بعدما أقر قادة دول التعاون في اجتماعهم بمدينة أبو ظبي يومي 3و 4 ديسمبر 2007 اطلاقها.
وسمحت السوق لجميع مواطني التعاون التمتع بالمواطنة الخليجية الكاملة في كل دولة من دول التعاون، من حيث مزاولة النشاط الاقتصادي وحرية العمل والمساواة في المعاملات الضريبية والتأمينات الاجتماعية والتعليم والخدمات الصحية وغيرها من الحقوق. وأدت السوق الى نشوء كيان اقتصادي عملاق تبلغ مساحته7. 2 مليون كيلو متر مربع وقوة بشرية تقدر بنحو 36 مليون نسمة يقدر ناتجهم الاجمالي السنوي بنحو 823 مليار دولار.
ويقدر حجم التجارة الخارجية في هذا السوق بحوالي 8. 282 مليار دولار، وتتقاسمها الصادرات والواردات بواقع 4. 116 مليار دولار للأولى و4. 166مليارا للثانية. وتتمتع هذه السوق باحتياطات هائلة من النفط والغاز تقدر بنحو 2. 484 مليار برميل للأول، و1. 1438 للثاني، مما انعكس ايجابيا على مستوى معيشة الفردالذي يحصل في المتوسط على 8. 22 ألف دولار سنويا (إحصاءات الأمانة العامة لدول مجلس التعاون). وهو ما يجعل متوسط الدخل السنوي للفرد الأعلى على مستوى العالم. وهكذا فان هذه السوق تمتلك الثروتين البشرية والطبيعية، مما يعطيها قوة وميزة اقتصادية على مستوى العالم.
وبعد اتمام الاتحاد الجمركي والسوق المشتركة تأتي الوحدة النقدية كخطوة نحو تحقيق الوحدة الاقتصادية الخليجية. وكانت اجراءات هذه الوحدة جرت بالتوازي مع الخطوات السابقة منذ العام 1983 من خلال لجنة محافظي مؤسسات النقد والبنوك المركزية. و تم الاتفاق في العام 2000على تبني الدولار كمثبت مشترك للعملات الخليجية.
وفي عام 2001 وقعت الدول الخليجية على الاتفاقية الاقتصادية الثانية التي عالجت ثغرات الاتفاقية الأولى. وحددت الاتفاقية العام موعدا لاطلاق العملة الموحدة 2010. وخلال السنوات التالية تمكنت الدول من التوصل الى معايير مشتركة على ضوء الاستفادة من التجربة الأوروبية، فتم انشاء وحدة متخصصة للنقد واصدار العملة الموحدة بالأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي. وتم الاتفاق على معايير التقارب النقدي والمالي، ففيما يتعلق بالأول تمثلت المعايير في معدلات التضخم والفائدة والاحتياطات من النقد الأجنبي. أما المعايير المالية فتمثلت في نسبة العجز السنوي الحكومي، ونسبة الدين العام في الدولة.
وتمتلك الدول الخليجية (قبل الأزمة الاقتصادية) نحو تريليون ونصف تريليون دولار احتياطات نقدية خارجية. هذا بالاضافة الى الودائع الداخلية، والتي تبلغ مثلا في السعودية وحدها نحو 804 مليار ريال(مؤسسة النقد السعودي- نوفمبر 2008)، وهو مايجعل الاتحاد النقدي المقترح يتمتع بقوة اقتصادية ومالية ضخمة تساعد على اتمامه. وأدت هذه الملاءة المالية بالولايات المتحدة وأوروبا الى الاستعانة بالمال الخليجي في محاولة التغلب على آثار الأزمة الاقتصادية العالمية. فقد زار المنطقة جورج كيميت وكيل وزارة الخزانة الأميركية في ادارة الرئيس جورج دبليو بوش، وجوردون براون رئيس الوزراء البريطاني لهذا الغرض وقوبلا باستجابه.
وتتسم العملات الخليجية جميعها بالاستقرار أمام العملات العالمية خاصة الدولار الذي يعد المثبت الرئيس لها. وهي جميعها (عدا الدينار الكويتي) مرتبطة به كعملة مقومة، لكن التقلبات العالمية التي لحقت بالدولار مؤخرا ألحقت بالعملات، ومن ثم بالاقتصادات الخليجية خسائر جمة. فقد تراجعت معدلات الفائدة على الدولار لأدني مستوياتها. كما شهد تذبذبا أمام العملات العالمية الرئيسية مثل اليورو والجنيه الاسترليني والين، وهو ماساهم في ارتفاع الأسعار ونسب التضخم في دول الخليج. وليس معروفا بعد مدى التحرر الذي قد تتمتع به العملة الخليجية الجديدة أمام العملة ألاميركية، فهناك دعوات من صندوق الدولي تدعو دول الخليج للابقاء على الارتباط بالدولار (الحياة-3 يناير).
وتمثل هذه العلاقة مع الدولار تحديا قويا يستدعي ضرورة الاسراع بخطوات العملة الخليجية الموحدة، خاصة مع الخسائر التي تحملتها الصناديق السيادية العربية ـ ومنها الخليجية ـ في الأسواق العالمية بسبب الأزمة الاقتصادية. ويقدر بعض الخبراء هذه الخسائر بنحو 350مليار دولار. ويتوقع الدكتور احمد جويلى الأمين العام لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية أن تيلغ الخسائر العربية مجتمعة خلال الفترة المقبلة نحو 5. 2 تريليون دولارمع تراجع أسعار النفط عالميا، وهو مايعني أن الارتباط بالدولار عربيا وخليجيا يحتاج الى تفكير عميق. ومن المهم الاشارة الى أن المجلس الأعلى للاتحاد (القمة) أو أي من المستويات القيادية لم يشترط ضرورة الربط، بل ترك الأمر لما تقتضيه ظروف العملة الموحدة.
ومن المتوقع في حال انجاز العملة الجديدة أن تتحقق فوائد جمة للاقتصادات الخليجية. وأهمها التوصل الى الاقتصاد الموحد، وهذا الاقتصاد سيصبح تحت مظلة واحدة تتمثل في بنك مركزي يديره مجلس نقد موحد، يعمل وفق منظومة قانونية واحدة تم الاعداد عليها عبر عقود. وهذه المنظومة تكفل الاستقرار الاقتصادي والمالي في دول المجلس، كما تساعد على انتقال العمالة والأموال والسلع والخدمات بسهولة ويسر، وهو ما سينعكس على زيادة التبادل التجاري، واقامة المشروعات في ظل توحد معدلات الفائدة على الايداع والاقراض، بما يؤدي اليخلق وظائف جديدة تحد من نسب البطالة.
وتعاني الدول الخليجية من ازدياد معدلات البطالة شأنها في ذلك شأن كل الدول العربية الاخرى، فحسب تقرير البطالة العربي الاول الصادر عن منظمة العمل العربية، فإن معدل البطالة العربي (بما فيه الخليجي) يصل الى 14%. وقد يقل المعدل أويزيد من دولة الى اخرى. وتعد المملكة العربية السعودية هي الاكثر من حيث عدد العاطلين في منطقة الخليج، فحسب الاحصاءات الرسمية يزيد عدد العاطلين السعوديين عن 450 الفا معظمهم من الشباب.
ومن المتوقع أن تؤدي الوحدة النقدية الى تقوية الموقف التفاوضي لدول الخليج في الأسواق العالمية تصديرا واستيرادا وعند عقد الاتفاقيات التجارية مع دول العالم ومنها الاتحاد الأوروبي الذي تعثرت اتفاقية التجارة الحرة معه، اذ ستكون هناك جهة تفاوضية واحدة تمتع بتأييد ومساندة كافة الدول الأعضاء.
كما ستؤدي العملة الموحدة الى تقارب مستويات الأجور والأسعار في دول التعاون، لكن الامر لن يخلو من بعض المشكلات في البداية مثل انتقال التضخم من الأكثر الى الأقل، والى بعض الاهتزازات السعرية بحسب قوة العملة القديمة أو ضعفها بالمقارنة الى الجديدة من دولة الى أخرى، واحتمال حدوث مضاربات سعرية في مناطق الجذب. ومن المتوقع أيضا حدوث تفاوت في القوة الشرائية للعملة الجديدة على ضوء تعدد مستويات الأسعار لبعض السلع ما بين بلد المنشا والتصدير، وهذا على المستوى الاقتصادي.
اما على المستوى السياسي، فقد رفضت سلطنة عمان الانضمام الى الوحدة النقدية، الا ان هذا لن يكون عقبة امام العملة الموحدة. فقد سبق وانطلق اليورو في أوروبا من دون بريطانيا التي فضلت التمسك بالجنيه الاسترليني. وهذا بالطبع لن يمنع السلطنة من امكانية الانضمام مستقبلا.
لقد جاء انعقاد القمة الخليجية في العاصمة العمانية مسقط في موعدها الدوري هذا العام متقاربا لانعقاد القمة الاقتصادية العربية الاولى. هذه القمة المقرر انعقادها في الكويت في العشرين من يناير الجاري. ومن المتوقع أن يناقش القادة العرب (حال انعقاد القمة) اقامة منطقة جمركية عربية، تمهيدا لقيام السوق العربية المشتركة، وصولا ذات يوم الى الاتحاد النقدي والعملة العربية الموحدة، حسبما ورد في العديد من التصريحات التي أدلى بها الدكتور أحمد جويلي الأمين العام لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية، وصاحب الفضل في هذا الجهد العربي.
ولكن تأتي الرياح بما لايشتهي العرب، فقد خيمت الخلافات على الأجواء السياسية العربية بسبب الحرب الاسرائيلية البربرية على غزة، مما ينذر بعدم انتظار الكثير من هذه القمة. وفي كل الأحوال تبقى التجربة الخليجية في العمل الافتصادي العربي المشترك تجربة ثرية ونواة عربية يمكن البناء عليها مستقبلا.
أحمد الكناني
