من جديد، تبدو الأوضاع بين الهند وباكستان وكأنها تركض بسرعة؛ نحو الهاوية. تطورات الأيام الأخيرة، تنذر بالمزيد من التدهور الخطير . قرّبت من احتمالات الحرب.
وربما تكون هذه الأخيرة قد دخلت طور وضع اللمسات الأخيرة عليها؛ في ضوء ما يجري على جانبي الحدود. خطاب النفي، تضعفه الإجراءات والتوليفات الجارية على الأرض. فضلاً عن أجواء التوتر والتعبئة، المتنامية. يزيد من فرص المواجهة، أن الجارين في حالة من القطيعة. لا اتصال ولا حوار. منذ هجمات مومباي، الشهر الماضي، والأزمة بينهما تتفاعل. تراشق من وراء الحدود، بالاتهامات وبالنفي. عدم حصول لقاء، ولا حتى مشروع لقاء، زاد من التباعد والهواجس؛ وبالتالي من درجة التوتر والاحتقان. وكأن الأمور يراد لها، أو خطّط لها، سلوك هذا السبيل المؤدي إلى بلوغ نقطة الصدام؛ في نهاية المطاف.
المؤشرات من الجانب الهندي، وازنة. بل شبه ناطقة. فعندما يجتمع رئيس الحكومة مع قيادات القوات البرية والجوية والبحرية، لمناقشة أمور كان من بينها « عرض الجاهزية الدفاعية»، على حدّ تعبير المتحدث الرسمي؛ فإن ذلك وفي هذه اللحظة، ليس أمراً عادياً. خاصة وأن هؤلاء القادة عرضوا على رئيس الوزراء« التدابير المتخذة لمواجهة التهديدات العسكرية التقليدية». ويأخذ هذا الكلام شحنة من الجدّية، التي تضعه في خانة التحضير لمواجهة تزداد احتمالاتها؛ عندما تحذّر الهند رعاياها من السفر إلى باكستان.
التحذير جاء تحت حجة أن قوات الأمن الباكستانية قبضت، في بعض المدن، على مواطنين هنود؛ مشتبه بهم. ومع أنه حصل شيء من هذا القبيل، إلاّ أنه لم يكن ليستدعي مثل هذا التحذير؛ لو لم يكن في الأمر ما هو أبعد من ذلك. ثم تعزّزت هذه الأجواء، بالتدابير التي اتخذتها باكستان؛ عندما قامت بتحويل قوات، 20 ألف جندي حسب التقديرات،من جبهة القبائل مع أفغانستان، إلى الحدود مع الهند. أرفقت ذلك مع استدعاء أفراد الجيش من إجازاتهم، لعودتهم إلى ثكناتهم. إسلام أباد، أبدت قلقها من عمليات غزو بري، هندية.
يصبّ الزيت على النار، لدى الجانبين؛ تغطية إعلامية محمومة، عابقة بالتحريض وشحن الأجواء، التي لا تشكو من نقص في هذا المجال. الاحتقان مرتفع منسوبه كفاية. عام 2002 وصل البلدان إلى حافة حرب رابعة، على أثر هجوم على مبنى البرلمان الهندي. سبق ذلك ثلاثة حروب، منذ استقلالهما عام 1947.
قيادات البلدين، تقرّ بأن الحرب لا تخدم مصالحهما. كلاهما يتحدّث بما يفيد، بأنه لن يكون البادئ. يردّ فقط إذا تعرّض لاستفزازات. كلام مفتوح على تفسيرات تلائم الظروف والحسابات. لاسيما وأن كل واحد متمسك بمطالبه وشروطه، غير القابلة للتوفيق فيما بينها. الهند تصر على قيام جارتها بتفكيك منظمة «عسكر طيبة»، مع تسليمها المسئولين عن عمليات مومباي. باكستان، تؤ كد عزمها على التعاون؛ لكنها تتذرع بأنها لم تتبلّغ بعد «أدلة دامغة» على تورّط مواطنين باكستانيين في الحادثة الإرهابية. الهند، لديها قضية مشروعة. باكستان لديها ظروف قاسية. متاعبها الداخلية، كثيرة وخطيرة. من منطقة القبائل، إلى هشاشة الوضع السياسي وانتهاء بنفوذ العسكر وعلاقاته مع قوى محلية وما تسببت به من مشاكل للحكومة.
إضافة إلى المتاعب هذه، تواجه باكستان الكثير من الضغوط الوازنة والمربكة. مسربلة بالهموم والتحدّيات.إصرار نيودلهي على دفعها إلى الزاوية، لا يخدم مصالحها؛ على المدى الأبعد. تعريض أمن وسلامة باكستان للخطر، من خلال مواجهة عسكرية؛ لا يؤدي إلى شلّ التطرف والإرهاب. على العكس يؤدّي إلى تصليب عوده. مصلحة الهند والمنطقة،تكمن في مساعدة باكستان على مواجهة تحدّياتها؛ ومنها التطرف والإرهاب.
هناك مخاوف لدى أوساط باكستانية، من محاولات لتفتيت البلد. سيناريو، يزيد من متاعب الهند، لو وجد طريقه إلى التنفيذ. كما يزيد من الأخطار في عموم الجوار. عواصم هذا الأخير، تحركت بصورة ملحوظة؛ خلال الأسبوع. المزيد مطلوب منها كما من المجتمع الدولي، المكتفي حتى الآن بالدعوة إلى ضبط النفس. العالم اليوم، لا يحتمل مواجهة بين قوتين لدودتين نوويتين.
