في صمت يتزامن مع رحيل إدارة بوش بسياساتها اليمينية المحافظة والتي رأت فيه أحد أبرز منظريها وأعمدتها الفكرية، رحل صموئيل هنتنغتون صاحب كتاب «صدام الحضارات» الذي أثار جدلا واسعا وكان له أثره البارز في مسيرة علاقات العالم الإسلامي مع الغرب، على النحو الذي يبدو جليا في التحول الناجم عن أفكاره التي قدمها في الكتاب والمتمثل في تنامي ظاهرة «الإسلاموفوبيا» أو رهاب الخوف من الإسلام والمسلمين في الغرب.
نقول ذلك مدركين أن هذا التصنيف يظلم الرجل كثيرا رغم توجهاته التي حملت قدرا كبيرا من العداء للإسلام والمسلمين، وهو هنا على ما نرى يماثل على مستوانا العربي والمصري الأديب الكبير يحيي حقي الذي كان يضيق من أشهر أعماله «قنديل أم هاشم» في ضوء حقيقة أن اسمه لم يكن يكاد يذكر، إلا وذكر معه هذا العمل، حتى كان يخيل للكثيرين أنه لم يقدم في حياته سواه رغم أنه عالج معظم فنون القول من قصة قصيرة ورواية ونقد ودراسة ومقال أدبي.
وعلى المنوال ذاته، فإن هنتنغتون على المستوى العام لا يكاد يعرف إلا بكتابه حول «صدام الحضارات» الكتاب الأشهر له والذي ترجم إلى 39 لغة رغم أنه يعتبر واحدا من أبرز أساتذة العلوم السياسية وأكثرهم تأثيرا خلال الخمسين عاما الأخيرة، فقد أثرى الدراسات السياسية بتنوع إنتاجه وغزارته ورصانته العلمية حيث ألف نحو 17 كتابا و90 مقالا علميا حول السياسة الأمريكية ونشر الديمقراطية، فضلا عن تحليل العلاقة بين العسكر والحكومة المدنية وبحوثه في انقلابات الدول والإستراتيجية وسياسة التنمية على مدى 58 عاما من العمل في هارفارد التي بدأ في التدريس بها من عمر لا يتجاوز 23 عاما وواصل مهمته حتى عام 2007.
وهنا نشير إلى أن من الإسهامات الرئيسية لهنتنغتون كتابه الأول الذي نشره عام 1957 بعنوان «الجندي والدولة : النظرية والسياسات في مجال العلاقات المدنية العسكرية » وأثار جدلا كبيرا وقتها وما زال حتى الآن مع صدور الطبعة الخامسة عشرة منه يعتبر المرجع الأول في موضوعه. أما كتابه حول «النظام السياسي في المجتمعات المتغيرة» عام 1969 فقد قدم من خلاله تحليلا جوهريا حول التنمية السياسية والاقتصادية في العالم الثالث. ومن كتبه المحورية الأخرى كتاب «الموجة الثالثة : الديمقراطية في أواخر القرن العشرين» والذي مثل إسهاما أساسيا في موضوعه.
مشكلة الرؤية التي قدمها هنتنغتون بشأن صدام الحضارات والتي قامت على أن اللاعبين السياسيين المركزيين في القرن الحادي والعشرين سيكونوا الحضارات وليس الدول، التوظيف السياسي لها في صراع جديد، حيث جاءت في ظل ظروف دولية تمثلت في انهيار الإتحاد السوفيتي أو الخطر الأحمر وكان يجري البحث عن خطر جديد فكان هذه المرة الخطر الأخضر المتمثل في الإسلام باعتباره العدو، رغم ما نراه وأشرنا له في دراسة سابقة من أن هنتنجتون لا يعتبر صاحب النظرية في الحقيقة.
ولعل العبارات بالغة الحدة لهذا الأخير هي التي عززت من انتشار رؤاه في الترويج للصدام بين الحضارات حيث وصل في تنظيره للعداء بين الغرب والإسلام إلى حد التأكيد على أن العداء يكمن في طبيعة الإسلام الأمر الذي يمكن أن نلمسه من قوله «إن المشكلة المهمة بالنسبة للغرب ليست الأصولية الإسلامية بل الإسلام فهو حضارة مختلفة شعبها مقتنع بتفوق ثقافته وهاجسه ضآلة قوته».
من زاوية المراجعة النقدية وبعد مرور أكثر من 15 عاما من تقديمه نظريته يمكن القول أن هنتنغتون قدم رؤاه من منظور العالم أو الباحث، رغم اختلافنا مع هذه الرؤى، وأنه يبقى منه تراثه السياسي الذي سيظل علامة على كيفية خدمة المرء لأمته ولعالمه بما يقدمه من اجتهادات قد تسهم في تطويره، وذلك هو الدرس الذي ينبغي أن نعيه جيدا على صعيدنا العربي والإسلامي.
