ثلاثون عاما مرت عليه، لا يؤنسه في وحدته سوى رقصات تلك النافورة التي تتهادى على ايقاع المارين بالقرب من بحيرتها. لم يتعب من وقفته رغم شيخوخه جدرانه التي تؤنسها أحاديث المارين بقربها وأصوات السيارات التي تعج المكان.
لم تغب الابتسامة عن السوق المركزي بالشارقة طيلة سنواته الماضية، فمع كل اشراقة شمس يفتح ابوابه لزواره يحتضنهم بين جدرانه العتيقة التي تحمل بين ثناياها رائحة الشرق وذكريات جميلة لأناس قضوا وقتاً بينها، ورغم ذلك بقي وفيا لشارقته التي كبر فيها ليصبح بتصميمه وفنه المعماري معلماً بارزاً من معالمها. يخبئ في جناحيه اصنافا شتى من البضائع القادمه من عديد الدول الآسيوية، والأفريقية، والأوروبية، وما ان تدخل أروقته حتى تكتشف اسرار الشرق العتيقه.
أصل الحكاية: حكاية هذا السوق تعود في جذورها الى ثلاثين عاما خلت، لتبدأ من عام 1976، حيث بدء العمل بتشييده، وامتدت على مدار تسعة وعشرين شهرا، لتنتهي دورة العمل في نوفمبر 1978، بتكلفة إجمالية بلغت ما يقارب 85 مليون درهم، «22 مليون دولار أميركي»، فارزة تحفة فنية رائعة. حينها لم يكن هناك أسواق اخرى تشبهه، فكان مميزا بهندسته وتصميمه، وقد وصفته صحيفة الفاينانشيال تايمز البريطانية بأنه من أجمل وأروع الأشكال المعمارية في منطقة الشرق الأوسط بعد المسجد الأموي بدمشق.
وبمجرد الولوج اليه تكتشف ان هيكل السوق الذي تقدر مساحته بنحو 80 ألف متر مربع، يتكون من مبنى بطابقين له جناحين رئيسيين، يطل احداهما على بحيرة خالد والآ خر على مسجد الملك فيصل، أحد أكبر مساجد الشارقة، ويتصلان بجسرين. ويشتمل المبنى على ثماني شرفات، ويضم بداخله أكثر من 600 محل تجاري، موزعة على الطوابق الارضية والعلوية والجسور والسلالم، إضافة إلى المقاهي التي توفر المشروبات والمأكولات لزوار السوق، وتتفاوت مساحات المحلات تبعا لحجم نشاطها التجاري، وقد وفرت لزواره مواقف تتسع لنحو 700 سيارة.
روعة العمارة الاسلامية
تعكس الأقواس والبلاط الكلاسيكي ذات اللون الازرق الذي يزين جدران السوق الخارجية روعة وفن العمارة الاسلامية، وقد التقت على سطحه مع التراث الإماراتي القديم الذي تجلى في ابراج البراجيل والتي كانت تستخدم قديما كوسيلة تبريد تقليديه، حيث يبلغ عدد البراجيل الموجودة فيه 22 برجيلاً صبغت جميعها بلون الصحراء الطبيعي، اما على المداخل فكانت نوافير المياه تأخذ مكانها لتكمل جمالية المشهد.
تحسين وتطوير
خلال السنوات الثلاثين الماضية أخضع السوق لعمليات تحسين وتطوير عدة، لتساعده على مواكبة التطور العمراني والاجتماعي في الدولة، منها تغيير كامل أرضياته واستبدالها بالرخام تتوسطها زخارف رائعة الأشكال، وكذلك تنفيذ ديكورات جديدة للمبنى لتعكس روعةالمكان، وتركيب اجهزة تكييف مركزي يغطي كامل المبنى.
وقد وضع بطريقة رائعة روعي فيها عدم تأثر شكل المبنى التراثي، كما تم اضافة ممرات خاصة تسهل حركة ذوي الاحتياجات الخاصة داخل وخارج السوق، مع تخصيص عدد من مواقف السيارات لهم، ولإضافة حياة جديدة على السوق فقد تم تركيب إذاعة محلية للسوق مرتبطة بالمسجد، فضلا على ذلك فقد تم اقامة مصليين للنساء في الطابقين الأولين من جناحي السوق، كما أضيفت له عدد من المطاعم الجديدة وخصص نحو 500 متر مربع كأمكنه للترفيه، كما اقيم خارج المبنى، وبالقرب من بحيرة خالد مجسم ضخم ترفع عليه اعلام الدولة.
بضائع مختلفة
يضم السوق بجناحيه أصنافا كثيرة من البضائع تحاكي في طبيعتها حاجة الناس، ويمكن التعرف عليها من اناقة عرضها التي تجذب زائري السوق، وتستورد بضائعه من شتى أصقاع الارض، فإلى جانب البضائع والمشغولات اليدوية التي تستورد من دول آسيا وإفريقيا وأوروبا، تبرز أنواع مختلفة لأغطية الطاولات والشراشف المطرزة والستائر المشغولة يدويا التي تأتي من الهند وكشمير وسوريا.
في حين يهيمن السجاد المستورد من إيران وأفغانستان وتركيا على جزء كبير من المحال التجاريه، ويعتبر السجاد الإيراني الأجود والأعلى سعرا بينها، وتتميز صناعته بحرفيتها العالية وطابعها الفني الرائع، ومن جهة أخرى تتلالأ في العديد من المحال التجارية أنواع مختلفة من الأحجار الكريمة مثل العقيق اليماني، والأفغاني، والفيروز، والكهرمان، واللؤلؤ الصناعي، والزمرد، وبين أحضانه تجلت روعة المسابح المشغولة بتقنية عالية، والحلي التراثية والإكسسوارات الفضية وقطع الانتيكا، والتي يتركز معظمها في الطابق العلوي، بالمقابل لم تغب العطور ومواد التجميل والملابس عن السوق، حيث تستعرضها العديد من واجهات المحلات التجارية.
وبمجرد ولوج الزائر إليه، لا يمكن لعينه أن تخطئ عديد الاكشاك المنتشرة في أروقته، والتي يباع فيها شتى البضائع والهدايا، في حين تلقى تجارة الذهب فيه رواجا كبيرا، حيث تركزت محلات الذهب في الجناح المطل على بحيرة خالد، وأصبح هذا الجزء يمثل ملاذا للعديد ممن يريدون شراء الذهب أو بيعه.
في عيون الآخرين
تتناثر الأحاديث في أروقة هذا السوق وعلى مداخله، وهي لا تخلو من نظرات الإعجاب، فقد استطاع السوق بتصميمه أن يسرق ملايين العيون التي زارته، ومنهم كانت الرومانيه «سلفيانا جورج»، التي وقفت ببابه تتأمل زخرفه الحروف العربية التي كتبت على بضع بلاطات وعلقت على واجهة إحدى جنبات السوق، لم تستطع أن تخفي إعجابها به، حيث قالت:
«هذه هي المرة الثالثه التي أزور فيها هذا السوق خلال إقامتي القصيرة في الشارقة، ولا أدري ما الذي يشدني إليه كل مرة، ولعل ذلك يعود إلى طبيعة تصميمه وهندسته التي تأخذنا إلى الماضي، حيث كان الاهتمام بفن العمارة كبيرا، لقد أحببته كثيرا واتخذت له صورا كثيرة لاعلقها في بيتي».
وبالقرب من واجهة أحد المحال التجارية وقفت الروسية سيلينا خوفينال، تتأمل في عديد قطع الانتيكا المعروضه، اقتربت منها وسألتها عن رأيها في السوق فقالت: «إنه مكان رائع، فيه أشياء كثيرة تجذب العين خاصة قطع الانتيكا المصنوعة يدويا، تجولت فيه كثيرا ومررت على معظم المحال الموجودة فيه، وقد اعجبتني الكثير من البضائع الموجودة فيه».
غسان خروب


