الوفاق.. من المصطلحات التي تداولتها وسائل الإعلام ووكالات الأنباء لسنوات عديدة في القرن الماضي، وبالتحديد مع بداية عهد الرئيس الأميركي الراحل ريتشارد نيكسون بطل فضيحة ووترجيت الشهيرة التي أطاحت به في صيف عام 1974. ظهر الوفاق في بداية السبعينات، وانتهى مع إطلالة عقد الثمانينات، وبالتحديد في الثاني من يناير عام 1980.

قبيل ظهور نيكسون على المسرح السياسي كرئيس للولايات المتحدة في يناير 1969، كانت العلاقات الأميركية - السوفيتية في حالة توتر طبيعي في ظل الحرب الباردة التي كانت قد بلغت ذروتها خلال أزمة الصواريخ السوفيتية في كوبا في بدايات الستينات، واستمر التوتر مع تصاعد حرب فيتنام التي دشنها الرئيس جون كيندي وسقط في مستنقعها خليفته الرئيس لندون جونسون.

جاء نيكسون إلى البيت الأبيض وفي أجندته إنهاء حرب فيتنام التي لم يكن السوفييت بعيدين عنها، بل كا نوا طرفا غير مباشر بحكم أنهم ساندوا فيتنام الشمالية وأمدوا قواتها بالسلاح الذي اكتوى الأميركيون بنيرانه. الدخول في مفاوضات إنهاء تلك الحرب، صاحبته رغبة أميركية - سوفيتية مشتركة في إنهاء التوتر في العلاقات وتخفيف حدة الحرب الباردة.

وبالتالي تحقيق الوفاق بين القوتين الأعظم. وبالفعل، تحقق الوفاق على أرض الواقع، وكانت من أبرز معالمه، القمة التي جمعت الزعيم السوفيتي الراحل ليونيد بريجنيف والرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، والتي أسفرت في السادس والعشرين من مايو عام 1972 عن توقيعهما معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية وهي معاهدة انتقالية لمدة 5 سنوات تحدد إنتاج البلدين من الأسلحة النووية.

كانت أجواء الوفاق قد خففت إلى حد كبير من نيران الحرب الباردة. فتلك الحرب، كانت أشهر أسلحتها التنافس والندية وخوض سباق تسلح مخيف اقتضى منهما انفاق هائل أرهق ميزانية الدولتين. وعلى الصعيد السياسي في تلك الحرب، كانت الولايات المتحدة من جانبها تسعى إلى استئصال الشيوعية ومحاصرتها، والاتحاد السوفيتي من جانبه يركز جهوده على دعم حركات التحرر الوطني اليسارية في العالم سياسيا وعسكريا الى جانب دعمه للدول المناهضة للامبريالية الأميركية.

جاء الوفاق ليحد من التوتر والسباق اللانهائي في التسلح الذي كان نذير خطر داهم يهدد السلم والأمن الدوليين، في وقت تحولت فيه الصين الى قوة تحد نووية أزعجت الدولتين اللتين كانتا أيضا على قناعة بإمكانية وقوع حرب نووية نتيجة خطأ غير مقصود. دشنت اتفاقية سولت 1 بالفعل لعصر الوفاق بين البلدين. هذه الاتفاقية سبقتها مفاوضات مطولة بدأت فصولها في نوفمبر 1969 مع بداية عهد نيكسون، استهدفت تحديد إنتاجهما من الأسلحة الإستراتيجية، والإبقاء على مستوى ردع استراتيجي مستقر ومتبادل بينهما.

وبعد مفاوضات بدأت من هلسنكي ثم فيينا، تم التوقيع على سولت 1 التي قال عنها وزير الخارجية الأميركي السابق الذي عاصرها، انها اتفاقية لم يسبق لها مثيل في التاريخ المعاصر باعتبار أنها قامت على أساس مبدأ مشترك وهو «الأمن المتساوي»، أي أن لا طرف يتمتع بمزايا تفوق طرف آخر، والاثنان يجمدان معا حجم صواريخهما الاستراتيجة الهجومية.

بعد عامين من سولت 1، كان الطرفان على موعد مع مفاوضات أخرى تعزز مفهوم الحد من الأسلحة الاستراتيجية، خاصة وأنه كانت لدى الطرف الأميركي هواجس بشأن العلاقات بين البلدين. وشهدت مدينة فلاديفوستوك الروسية محادثات بين الجانبين انتهت إلى نفس ما تم التوصل إليه في اتفاقية سولت 1، ولكن تمتد الى منتصف الثمانينات، وبالتالي تعتبر بمثابة تجديد مبكر لسولت واحد التي تنتهي حسب الاتفاق بعد خمس سنوات من توقيعها ، أي في عام 1977.

ولكن ما تم الاتفاق عليه في فلاديفوستوك لم يتم بعد أن خيمت أجواء جديدة من التوتر والقلق بسبب إلغاء موسكو الاتفاق التجاري بينها وبين واشنطن، وتطور أحداث أنجولا التي تمثلت في دخول قوات كوبية هناك بضوء سوفيتي.ويمكن القول بأن العلاقات بين البلدين في عهد الرئيس الأميركي جيرالد فورد الذي لم يبق في البيت الأبيض سوى أقل من ثلاثين شهرا- كانت فاترة بدا فيها الوفاق مجرد سراب، حتى دخلت مرحلة جديدة من العلاقات في عهد الرئيس التالي جيمي كارتر الذي تسلم السلطة في يناير 1977( أي في السنة التي ينتهي فيها مفعول اتفاقية سولت 1).

ودشن فور وجوده في البيت الأبيض لوفاق جديد. اذ لم يمض سوى شهرين على حكمه حتى استؤنفت اللقاءات على مستوى رفيع بين البلدين بزيارة وزير الخارجية الأميركي سيروس فانس للعاصمة الروسية موسكو، حاملا معه أفكارا جديدة بشأن التسلح الاستراتيجي.ولكن لم تأت الزيارة بثمارها في ظل أجواء من الهواجس والشكوك المتبادلة.

حتى حانت فرصة إبرام سولت 2، وهي الاتفاقية التي وقعها بريجنيف والرئيس كارتر في يونيه 1979 في فيينا. ولكن لم يصادق عليها. اذ لم ينته العام الذي وقعت فيها، حتى غزا الاتحاد السوفيتي الأراضي السوفيتية، ليعلن بعدها كارتر ضمنيا- في الثاني من يناير عام 1980، نهاية عصر الوفاق، وتمثل ذلك في مطلب كارتر من الكونغرس عدم التصديق على سولت 2، وفي الوقت نفسه، استدعى السفير الأميركي من موسكو.

حسن صابر