اتسمت العلاقة بين الجيش والدولة في غينيا بعدم الانضباطية من جانب الأول، في مقابل ضعف الثانية، إذ كان الجيش على الدوام، ومنذ استقلال الدولة هو ذراع الحكم وأداته الرئيسية، ولذا فان الانقلاب العسكري الذي نفذه نفر من الجيش هو أمر طبيعي في دولة تفتقد المؤسسات السياسية الحقيقية ومنظمات المجتمع المدني الفاعلة.
وبين مؤسسات هشة وجيش غير منضبط، حكم الرئيس الغيني الراحل لاسانا كونتي البلاد منذ استيلائه على السلطة في العام1984، فبعد أسبوع واحد من وفاة الرئيس أحمد سيكوتوري الذي حرر البلاد من الاستعمار الفرنسي، انقلب كونتي على الدولة والدستور، واستولى على السلطة مستغلا مكانته وموقعه داخل الجيش. وهذا بالضبط ما حدث في نفس يوم وفاته، فبمجرد تأكد العقيد موسى كامارا من موت الرئيس يوم الثلاثاء (23 ديسمبر) حرك قواته، ونفذ انقلابه.
حادثة الانقلاب تمثل امتدادا لدور الجيش في الحكم، وفي التمرد أيضا على السلطة، في جانبها المدني. فقد شهد العامان الماضيان حالات تمرد خرج فيها جنود من الجيش من معسكراتهم، ومارسوا البلطجة العسكرية بحق الدولة والمجتمع، ففي مايو من عامي 2007و 2008 قام جنود مدججون بالسلاح بالنزول إلى الشارع، وأطلقوا النار عشوائيا على المارة من المدنيين، احتجاجا على عدم صرف رواتبهم لأكثر من عام، وكانت النتيجة سقوط عدد من القتلى الذين قادهم سوء حظهم إلى المكان.
ولكن النتيجة الأعظم كانت في سقوط الدولة والقانون، وتكريس لغة القوة العسكرية بين الطرفين. وشكلت هذه الحوادث محددا للعلاقة بين العسكر والمدنيين، فالمدنيون الحاكمون - في عباءة كونتي- أثبتوا عجزهم عن تلبية احتياجات الجيش الأساسية، هذا في الوقت الذي كان فيه أغلبهم غارقا في فساد ضرب كافة أرجاء المجتمع، ما أدى أيضا إلى العجز عن تلبية احتياجات الشعب، وفي المقدمة منه الطبقات الكادحة.
ولم تجد تلك الطبقات وسيلة للتفاهم مع الحكم إلا الإضرابات العمالية والنزول لمصادمة الحكومة في الشوارع، ما أدى إلى سقوط ما يزيد على المائة قتيل في يناير من العام 2007. وسط تواطؤ غربي وخاصة فرنسي، تكتم على ما يجري في البلاد، على خلاف ما يحدث حاليا تجاه زيمبابوي. ووسط هذه الأجواء جاء الانقلاب العسكري تعبيرا عن حالة الاحتقان العام في البلاد، فردود الفعل الداخلية انحصرت في الرفض الرسمي.
أما على مستوى الشارع فان الغينيين العاديين يتصرفون وكأنهم خارج معادلة الصراع، فهم الطرف الغائب عن الأحداث دوما، إلا من احتجاجات باحثة عن لقمة عيش. وهو ما شجع العسكريين على المضي في انقلابهم، فعين كامارا نفسه رئيساً للبلاد فشكلوا مجلسا حاكما بديلا عن الحكومة من 32 شخصا من بينهم ستة مدنيين. وفرضوا قيودا على الحريات السياسية وعلقوا العمل بالدستور، وأوقفوا كافة الأنشطة السياسية والنقابية بالبلاد.
وعلى الصعيد الدولي لقي الانقلابيون رفضا هادئا من جانب الولايات المتحدة وفرنسا عودة الشرعية إلى البلاد والالتزام بالدستور، فهناك خشية دولية من انتقال عدوى الانقلاب الغيني إلى الدول المحيطة،لأنها تعيش أجواء استقرار هشة قابلة للتدهور في أية لحظة. ما يدفع بغرب القارة الأفريقية كله إلى أتون القلاقل. وكثير من بلدان العالم الثالث، خاصة الأفريقية تحديدا مرشحة للسقوط في دائرة الفوضى الشاملة بسبب المتاعب المتوقعة عن الأزمة الاقتصادية العالمية.
