اللبنانيون محشورون هذه الأيام في «عنق زجاجة» زحمة السير الخانقة، يصولون ويجولون بسياراتهم في متاهات الشوارع وصولا إلى الاوتوسترادات، علهم يوفقون في فك حصارها، والخروج منها بسلام، إلى بر منازلهم وأعمالهم لكن عبثا يحاولون.
التجول في لبنان وخصوصا في عاصمته بيروت، رحلة «سندبادية» محفوفة بالمخاطر، وحرق الأعصاب والوقت والمال، هذا في الأيام العادية، فكيف إذا كانت البلاد في موسم الأعياد، حيث تتضاعف حركة الانتقال بالسيارات للتسوق وشراء الهدايا، لتتحول معها كل الأوقات، إلى وقت الذروة وعلى مدار الساعة، وأيضا إلى حديث الساعة الذي يطغى على هموم اللبنانيين السياسية والاقتصادية.
مداخل بيروت ومنافذها، استحالت «جحيما ارضيا» حقيقيا، وتحولت إلى مواقف عريضة «مجانية» لطوابير السيارات التي «تزرب» فيها عنوة، وخاصة مع بداية فصل الشتاء الذي يزيد من وطأة الازدحام، ليبدو لبنان وكأنه دخل «موسوعة» البلدان الصيفية، إذ أن طرقه كافة تغرق في «شبر ماء» مع أول زخات المطر، وتتحول الى مستنقعات وانهار تجري في الأحياء والشوارع، تسبح فيها السيارات.
يوما بعد يوم تستفحل مشكلة السير في لبنان لتتحول إلى معضلة مستعصية على الحل، باعتراف المسؤولين الأمنيين، الذين يعزون المشكلة الأساسية إلى أعداد السيارات المتزايدة باطراد، التي وصلت بحسب إحصائية غير رسمية إلى نحو مليون سيارة، وهذا رقم «خيالي» على الرغم من واقعيته نسبة إلى عدد السكان والمقيمين في لبنان الذين يقدرون بنحو 4 ملايين نسمة، غالبيتهم يتأخرون عن مواعيدهم المهنية وحتى الخاصة بسبب ازدحام السير، والجميع تعود على فكرة التأخير من ربع ساعة كحد ادنى وصولا إلى الساعة وما فوق، حيث «لا عتب ولا من يعاتبون».
ولكن لمشكلة اختناق الطرق اللبنانية أسباب عدة أبرزها العوائق المنتشرة بكثرة في بيروت أمام مساكن السياسيين والنافذين وأمام السفارات والمطارات أو ما يسمى ب« المربعات الأمنية» ،الفوضى وقلة الدراية والتفلت الأخلاقي التي تتطبع سلوكيات القيادة، لدى عدد لا بأس به من السائقين، فضلا عن الطرق المتهالكة المليئة بالحفر والأشغال «المستدامة» التي لا تنتهي، إضافة إلى العروض والتسهيلات المغرية على السيارات الجديدة، أسهمت في «الانفجار السياراتي» في لبنان.
وكذلك لا يمكن إغفال غياب وسائل النقل الشعبية كالقطارات او «مترو الانفاق» عن ازمة السير، واقتصارها على الحافلات العمومية ،التي على الرغم من قلة اعدادها وعدم قدرتها على تغطية الاراضي اللبنانية كافة، فهي لا تلقى حماسة لدى الكثير من اللبنانيين للتنقل بواسطتها، مفضلين عليها سياراتهم الخاصة، او استخدام الدراجات الهوائية والنارية عند الحاجة.
وإزاء تفاقم مشكلة السير في فترة الأعياد وارتفاع حدة شكاوى الناس منها على صفحات الجرائد وعلى شاشات التلفزيونات، تحرك وزير الداخلية اللبناني زياد بارود، وطلب من المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي اللبناني «تعزيز مفارز السير في مناطق بيروت وضواحيها ب 500 عنصر إضافي عن المتوافر حاليا، واتخاذ تدابير أخرى لمعالجة الازدحام»، في وقت استنفرت محافظة بيروت أجهزتها الأمنية والإدارية لوضع تصورات للحد من استفحال أزمة السير.
ولكن على الرغم من ذلك، بقيت الطرق على ازدحامها ولم يلحظ اللبنانيون أي تغيير ملموس على الأرض، الأمر الذي يعزوه المدير العام لقوى الأمن اللبناني اللواء اشرف ريفي إلى «ان هذه العناصر ليست اساسا متخصصة بالسير»، لافتا الى«ان القوى الأمنية اللبنانية ليست الوحيدة المسؤولة عن ازمة السير»، معترفا «ان هذه الازمة لم تعط في الظروف السابقة حقها من الاهتمام والمتابعة، نتيجة للظروف الأمنية».
ولفت الى «ان القوى الامنية تشكو دائما من ضعف الإمكانيات المالية، فميزانية قوى الأمن الداخلي 330 مليون دولار سنويا موزعة 95% منها رواتب وأجور وتعويضات وإستشفاء ثم 5% للتجهيز والتطوير»، وأضاف: ان هذا الرقم الذي يترجم بحوالي 16 مليون دولار لا يؤمن التجهيز والتطوير وإنما يؤمن فقط الصيانة. وشدد على «انه لا يمكن أن تتطور المؤسسة بهذا الرقم، ورفعت توصية واقتراحاً في رفع الموازنة بقدر لا يقل عن 20% أي ما يوازي بين 60أو 80 مليون دولار».
وفي سياق متصل ذكرت مصادر معنية «ان لبنان يحتاج الى 1530 عنصراً من شرطة السير، يتوافر 671 عنصراً، بينهم 160 فقط في بيروت، ينقسمون على دوامين في اليوم، بحيث لا ينظم السير في بيروت سوى 80 عنصراً في أحسن االاحوال». وفي محاولة لتلمس «خارطة الطريق» واستشراف الحلول الواقعية والفضلى لازمة السير التي يتخبط فيها اللبنانيون، يجمع المعنيون والخبراء على ان الخطوة الاولى تبدأ من السائق ومدى احترامه لقانون السير واتخاذ التدابير الآيلة الى الزامه بتطبيقه.
اما الحل الجذري لمشكلة السير في لبنان يرتكز على مشروع النقل الحضري الذي يقضي بإنشاء شعبة مركزية للمرور ذات هيكلية واحدة ورأس واحد وعلى اتصال بهيئة إدارة السير أو تكون ضمنها بالإضافة الى إنشاء مواقف عامة للسيارات في مبان خاصة فوق الأرض أو تحت الساحات العامة والحدائق، والإسراع في إقرار خطة للنقل العام، خصوصاً في بيروت الكبرى. وأوضحوا ان تنفيذ المشروع الإجمالي يحتاج الى 6 سنوات، وتقدر تكاليفه بـ 163 مليون دولار تقريباً يساهم في تأمينها البنك الدولي والصندوق العربي للتنمية الاقتصادية، وصندوق ابوظبي للإنماء، بالإضافة الى الدولة اللبنانية.
ومن جهته، أكد رئيس لجنة الأشغال العامة والنقل النيابية اللبنانية النائب محمد قباني «ان تطبيق مشروع النقل الحضري يشكل حلا حقيقيا لأزمة السير، خصوصا اذا ما تم اعتماد ادارة واحدة للسير في لبنان»، لكنه لفت الى «أن الصعوبة التي يلاقيها تطبيق هذا المشروع هي في عدم تجاوب اللبنانيين مع بنوده من الالتزام باشارات السير وأماكن التوقف الى عدم التقيد بالقوانين العامة للقيادة».
في لبنان، اغنية قديمة يرددها السائقون اليوم، وهم ينتظرون الفرج: «عجقة سير وما في غير جانح طير يوصلني». وليس بعيدا عن هذه الأمنية، ثمة شركات طيران خاصة تحلق في سماء لبنان تقل ركابا بهدف المغامرة والسياحة، و«رؤية لبنان من فوق»، ولاحقا ربما تتوسع هذه الخدمة لتسيير رحلات لنقل الناس من حي الى حي ومن شارع الى شارع، وعسى الا يصيبها ما اصاب السيارات. كل شيء وارد في لبنان. انه بلد العجائب.
بيروت ـ «البيان»
