لم أكن أريد أن أنضم إلى جوقة ردود الفعل العربية عندما تقع كارثة في أي بلد عربي ثم ينتهي رد الفعل بانتهاء الحدث حيث حقق كل طرف أو فرد أو نظام غايته باستثمار الحدث لصالحه أو أنه قد سجل اسمه ضمن قائمة تسجيل المواقف ويذهب كل في سبيله في انتظار كارثة أخرى لتقوم بالدور نفسه. لكن العدوان الأخير على غزة أكبر وأخطر من تسجيل المواقف، وقد يكون نقطة فاصلة في حياة العرب إما نحن في أمة حيّة أم ميتة؟ فقد طال أمد الإحتضار العربي، ولابد أن يكون المصير وفاة أم حياة.
لقد كتبت قبل أكثر من عشرين عاماً مقالاً في جريدة كويتية يومية عنوانه «السلام السراب» وكان ولا يزال رسالة إلى الشعوب العربية وحكامها وقادة الرأي والمثقفين فيها مفادها أن رأينا المتواضع هو أن السلام بين طرفين بينهما ما هو مشترك، وممكن، لكن السلام مع المحتل الغاصب خدعة لابد أن يتخلص منها العقل العربي، ومقولة لأننا غير قادرين على تحرير الأرض فعلينا أن نحصل على الممكن بالسلام مع اسرائيل!
والآن بعد أكثر من أربعين عاماً على اسطوانة السلام منذ حرب عام 1967م ماذا تحقق غير حروب طاحنة داخل فلسطين وفي محيطها، ومزيد من الإضعاف والتشرذم للعرب والقوة والدعم وقضم الأرض العربية لإسرائيل. ويأتي السؤال الآن: هل ما يحصل الآن في غزة من عدوان مدمر وحرب إبادة يحقن العقل العربي المترهل والمريض ليصحو ويكتشف الحقيقة ثم يبدأ من جديد بمفهوم مختلف لطبيعة الصراع بين العرب وإسرائيل فيعيد العرب وليس الإسرائيليون حساباتهم وفهمهم ومن ثم أساليب تعاملهم مع عدوهم، ويلغوا من أجندتهم ما يسمى بالسلام مع اسرائيل والتطبيع معها والعودة إلى المربع الأول بمقاطعتها ومقاومتها.
إن العدوان على غزة جاء في وقت يعيش العرب فيه مرحلة الضعف والتشرذم، وكل الحروب ضد العرب كانت كذلك في تاريخهم الحديث والمعاصر، لكن حتى لا نجلد الذات إلى حد العدمية والإحباط واليأس نقول لا يزال في هذه الأمة عقول ونخب يمكن تتعلم من الدروس. أما الذين يتساءلون ماذا يمكن أن نفعل والحالة هذه حيث لم تصل الأمة في تاريخها مرحلة من الانحطاط مثلما هي عليه اليوم نقول لهم ان الخطوة الأولى هي الموقف المبدئي ليس هناك سلام حقيقي في أجندة اسرائيل.
وأن بعض العرب حكاماً ومحكومين واهمون بأن هناك شيئاً اسمه السلام، وأن اسرائيل كانت و لا تزال أذكى منكم ولديها فكرها واستراتيجيتها في الوقت الذي يفتقد العرب إلى أية إستراتيجية، ولعبة السلام بعد هذه العقود قد انكشفت ولسنا بحاجة إلى أدلة على ذلك ولكن عجزنا، واستفادة بعضنا من مآسي الأمة هو الذي يجعلهم يتشبثون بالتطبيع السياسي والتجاري وغيره مع اسرائيل.
المسألة ليست عاطفية وليست رد فعل مؤقت على ما يحصل اليوم في غزة، ولا هي أنشودة رثاء للأمة، ولكنها رسالة متواضعة ضمن رسائل كثيرة علّها تجد صدى لدى ما تبقى من حياء وحياة عند العرب مفادها عودوا إلى مبادئكم، لكن سيخرج علينا من يقول إن الضرب بالميت حرام، ولا حياة لمن تنادي. لقد حدث في هذه الأمة في الآونة الأخيرة ما لم يعقل حروب أهلية إثنية عرقية وطائفية في عدد من بلداننا العربية بين أبناء الشعب الواحد!.
وفي كل حركات التحرير في العالم تنشأ جبهة وطنية واحدة بين كل القوى من أجل التحرير إلا في فلسطين صراع الأضداد وإسلاميون متطرفون يقتلون الناس الأبرياء ليدخلوا الجنة! لقد جرى تخريب منظم للعقل العربي نتج عنه تخريب للواقع فأصبح الباب مفتوحاً لإسرائيل لتشن حروب الإبادة دون أن تجد من يردعها.
يتفرج العرب اليوم على مذبحة غزة وكأنهم يتفرجون على فيلم أو صور من صراع الماضي البعيد، وأن ردود فعلهم لا تتعدى الخطب الرنانة فقادة حماس في غزة يطلقون العبارات القائلة «سنزلزل الأرض من تحت أقدامهم، وستفتح أبواب جهنم إلخ»، وقد سبق ان سمعنا مثل هذه اللغة من نظام صدام حسين وغيره.
كما أن جامعتنا العربية ستصرح وتجتمع وتندد وتستنكر ومثقفينا سيدبجوا المقالات النارية ويلطمون الخدود ثم بعدها يخلدون إلى الراحة والنوم العميق في انتظار أزمة او مذبحة أو كارثة أخرى. المطلوب أيها السادة بعد هذا العدوان السافر على غزة ما يلي:
أولاً: إلغاء كل اتفاقيات السلام مع اسرائيل من قبل عدد من الدول العربية وفي مقدمتها السلطة الفلسطينية.
ثانياً: رفع شعار مقاطعة اسرائيل وتطبيقه عملياً في كل الدول العربية.
ثالثاً: جبهة وطنية واحدة بقيادة واحدة وقرار واحد لجميع الفصائل الفلسطينية.
رابعاً: تصفية المكاتب الدبلوماسية والتجارية الإسرائيلية من الدول العربية التى تواجدت فيها.
خامساً: عودة الجامعة العربية إلى اللاءات الثلاث التى قررها مؤتمر القمة في الخرطوم في نهاية الستينات من القرن العشرين لا اعتراف لا تفاوض لا استسلام.
سادساً: الشروع في العمل الجدي لتحرير الأرض التي احتلت عام 1967م في مشروع قطري وقومي.
سابعاً: محاربة التطرف الذي شوه المقاومة واتهمها بالإرهاب.
ثامناً: إعادة النظر في خطابنا السياسي الإعلامي والتربوي بما يتوافق ويتلاءم مع إستراتيجيتنا بعد أن تكون لهذه الأمة إستراتيجية، وتكوين رؤية واضحة حول قضايانا في الحاضر والمستقبل بعقلانية تضع حداً لفكر القرون الوسطى وممارسات المتخلفين الذين وجدوا في حال الأمة مرتعاً لتطرفهم وبث فكرهم المتخلف.
إذا كان هناك من دور الأصحاب الرأي فليتقدموا الصفوف ويقولوا لنا ماذا نفعل؟ لقد خدرنا أنفسنا بمقولات مثل : يا أزمة اشتدي تنفرجي، ولنترك الأمور ليحلها الزمن! وإذا كان الواقع مظلماً فالمستقبل سيكون مشرقاً! ولا بد من ضوء في نهاية النفق الخ...
لقد كنا نعتقد أن الأمة تصحو بالصدمات والكوارث وهل هناك أقسى من الكوارث التي مر بها العرب في تاريخهم المعاصر، من نكبة 1948 إلى هزيمة 1967م إلى الحرب الأهلية اللبنانية إلى الحرب الأهلية السودانية إلى الغزو الصدامي للكويت إلى الحرب الأهلية في العراق لكن رأينا مزيداً من التخلف والخنوع والسكونية، ننفعل أثناء الحدث ثم نعود إلى ما كنا عليه فهل بعد حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة الفلسطينية من صحوة عربية حقيقية؟ الأيام ستكشف لنا الكثير من التحولات التي ربما تغير مجرى التاريخ العربي.
د. عبد المالك خلف التميمي

