وسّعت موسكو، في الآونة الأخيرة، من دائرة وجودها واختراقاتها، الدولية. جدّدت علاقات تاريخية واقتحمت ساحات جديدة، قي أكثر من مكان في العالم. تقوم بنسج شبكة حضور ملحوظ وأحياناً مفاجئ، في مواقع وعند تخوم، حساسة. وبالذات على الصعيد العسكري والتواجد البحري؛ الذي غاب تقريباً عن شاشة رادار المحيطات والقواعد البحرية، منذ الانهيار السوفياتي.
عودة، بدأت في السنوات الأخيرة مع رئاسة بوتين. لكن وتيرتها ارتفعت، بصورة متسارعة وملفتة، في الفترة التي أعقبت الانتخابات الأميركية ومجيء اوباما. تحرّك، يجمع بين محاولة الردّ على فترة هبوط جارح؛ وبين تطيير رسائل التذكير في كل اتجاه، خاصة باتجاه واشنطن ما بعد بوش؛ بأن روسيا قادرة على الجواب عند الدّق على الباب . بل رسائل الإصرار على لعب دور، يتناسب مع حجمها، في الشؤون الدولية.
توالي هذه الرسائل المشفّرة، خلال الأسبوعين الماضيين، من أميركا اللاتينية والكاريبي، حتى لبنان؛ لا تخطئه العين. قطع من الأسطول الروسي، تجري مناورات مع قوات بحرية فنزويلية. موسكو تعقد صفقة سلاح بمليارات الدولارات مع كاراكاس. بعد انتهاء زيارتها غير المسبوقة لفنزويلا، تعرج ثلاث من هذه القطع الحربية الروسية، على كوبا؛ في زيارة، ولو غير عسكرية، هي الأولى من نوعها، منذ عام 1991، بعد السقوط السوفياتي.
الدلالة في هذا « الغزو» البحري، واضحة: التمدّد الأميركي على عتبة روسيا، في القوقاز وأوروبا الشرقية؛ تقابله موسكو بالمثل، في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة. والمعلوم أن الأسطول الروسي، عاد لاستخدام مرفأ طرطوس، لأعمال الصيانة والتموين؛ بموجب اتفاق جرى مؤخراً بين موسكو ودمشق.
كما هناك احتمال بانضمام قوة بحرية روسية، إلى القوة الأوروبية المنتشرة في وقرب خليج عدن؛ لمطاردة القراصنة الناشطين هناك. يضاف إلى ذلك ما يندرج في خانة الاختراق غير المتوقع، الذي حققته موسكو في لبنان؛ بتقديم عشر مقاتلات حديثة، من طراز ميغ 29، له؛ كهبة. رافق ذلك ما يبدو أنه وعد بالموافقة على تزويده بصفقة أسلحة متقدمة ومدرعات ودبابات. بالرغم من أن العملية لم تتضح كل جوانبها بعد، إلاّ أن موسكو سجّلت من خلالها نقطة إضافية وفارقة.
حتى ولو كان ذلك بمعرفة واشنطن؛ كما ألمحت بعض التقارير والمصادر. لبنان لم يسبق له أن تزوّد بأسلحة روسية. سلاح جيشه كان باستمرار، غربي. أميركي وفرنسي، عموماً. ولا مرة زوّدته هذه المصادر بمقاتلات، ما عدا عدة طائرات هوكر هنتر، منذ أواخر خمسينات القرن الماضي. أن تدخل روسيا من بوابة هذا السلاح إلى لبنان؛ فذلك ليس بلا مغزى. بصرف النظر عن حجم الهدية وعن وزن القدرة العسكرية اللبنانية المتواضعة، في المنطقة.
المسألة أن السلاح الروسي دخل سوقاً جديدة، في المنطقة. فضلاً عن تعزيز حصته في أسواقها التقليدية. وبالتحديد إيران، التي حصلت مؤخراً على أنظمة دفاعية، أرض - جو؛ والتي قد تتسلّم قريباً نظام أس 300، الموازي لنظام باتريوت الأميركي؛ وفق ما نقلته وكالة انترفاكس للأنباء، عن مسئول عسكري روسي؛ بالرغم من التأكيد ثم التكذيب؛ حول هذه الصفقة.
وربما تعمّدت موسكو التضارب، ليكون بمثابة تحذير للرئيس الأميركي المنتخب، باراك اوباما؛ من أن مواصلة سياسة الاقتحام، التي باشرها بوش عبر توسيع الناتو وشبكة الإنذار المبكر على حدودها؛ تكون كلفته مواصلة خلق المتاعب له في مواقع وساحات حساسة، مثل إيران، عبر تزويدها بأحدث الأسلحة. وكان رئيس الحكومة، بوتين، قد أعرب قبل أيام، عن اعتقاده - ضمناً عن أمله - بأنه يمكن للعلاقات أن تشهد تحسناً في عهد الإدارة القادمة.
تلويح بالتصعيد، كما بالحلحلة والتعاون؛ في آن، ترمي الكرة في ملعب أوباما؛ عشية تسلّمه دفّة القيادة. هي تدرك مدى ثقل هموم الرئيس الجديد وأولوياته المفروضة عليه، بحكم كومة التحدّيات التي ورثها. كما تدرك أن سياسات بوش ليس لها سوق، في الوقت الحالي، لا في واشنطن ولا في أوروبا. موسكو تضغط في التوقيت المناسب. وقد تضطر أوباما لوقف ما بدأه بوش؛ ولو إلى حين. لكن ثمة مجازفة هنا: اللعب بورقة السلاح والتسليح، لها حدود. تخطّيها ينقلب ضدّ اللاعب. وتجربة بوش خير دليل.
