في إطار طغيان قضايا العولمة لا بد للمتابع لبعض التطورات الدولية أن يلمس وجود محاولات لتأسيس ما يمكن وصفه بنظام قيمي عالمي جديد ينطلق بالأساس من الرؤى الغربية ما يرجح أن يشهد العالم مزيدا من الصراعات ليس على خلفية مصالح مادية وإنما على خلفية قضايا قيمية.
فوسط زحمة من القضايا الدولية الحيوية، وبدعوى شمولية حقوق الإنسان في الذكرى الستين للاحتفالات باليوم العالمي لحقوق الإنسان، عملت مجموعة من الدول على اختراق الأمم المتحدة من أجل تمرير ما وصف بإعلان سياسي يتعلق بعدم تجريم «مثليي الجنس» أو الشواذ جنسيا بمعنى أوضح.
ولكي ندرك مدى أهمية هذا التحول نشير إلى ما أعلنه ماكسيم فرهاغن وزير الخارجية الهولندي الذي تقف بلاده وراء الدفع بالإعلان من أن ذلك يعد المرة الأولى في التاريخ التي تعلن فيها مجموعة كبيرة من الدول الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة ، حسبما يقول، رفضها للتمييز على أساس التوجه الجنسي.
يرد على هذا التطور بغض النظر عما اذا كان ملزما أم غير ملزم، العديد من الملاحظات نشير إلى بعضها في السطور التالية أولها أن مجموعة الدول المتقدمة بالإعلان لا تشكل سوى نسبة محدودة من عدد الدول المنضوية تحت لواء الأمم المتحدة فهي حسب الأنباء نحو 66 دولة بينها دول الإتحاد الأوروبي والبرازيل وإسرائيل واليابان ،أي ثلث أعضاء المنظمة الدولية تقريبا، وهو ما يجعلها أقلية تسعى لفرض موقفها على الأكثرية التي تتجاوز 120 دولة بينها الولايات المتحدة وروسيا والصين والدول العربية والإسلامية، منها أكثر من 77 دولة تحظر الشذوذ الجنسي وتعاقب عليه.
من ناحية ثانية، فإن صيغة الإعلان في حدود ما تم تقديمه لا تحقق هدف اتخاذ موقف الحياد من الشواذ، بمعنى ترك الحرية لهم في الانغماس في عملية الشذوذ، وإنما، وحسب ما ذهب الفاتيكان، تشجع الشذوذ بفعل إدانة التمييز والأحكام المسبقة على الزواج بين الشواذ جنسيا، الأمر الذي قد يفاقم في الواقع من ظاهرة ينبغي إن لم يكن من الممكن وقفها، الحد منها على الأقل باعتبار منافاتها للطبيعة البشرية.
من ناحية ثالثة، فإن موضوع الإعلان يتعلق بقضية تفصيلية من المتصور أن التعاطي مع غيرها بالمنطق ذاته سيؤدي إلى التدخل في سيادات الكثير من الدول بما فيها الدول الكبرى، فيما يتعلق بقوانين وأعراف تتباين في التطبيق الدولي ومن ذلك التعامل مع قضايا مثل المخدرات والإجهاض وغيرها من القضايا التي تدخل في عداد تنظيم قوانين الأحوال الشخصية مثلا.
من ناحية رابعة فإن الإعلان في شكله ومضمونه يتغافل التباينات الحضارية والقيمية والدينية والاجتماعية بين المجتمعات الإنسانية، ، وهو أمر حال الإقرار به يدعو إلى التساؤل حول طبيعة القيم التي ينبغي تنميطها وفرضها، وما إذا كانت القيم المستقرة وتدعو اليها الأديان والأعراف أم القيم التي تمثل ما هو جديد، وهل ينبغي فرض القيم التي يؤمن بها الأغلبية أم تلك التي تمثل قضية أقلية.. وهو ما قد يعكس في حالة العمل بالاتجاه الثاني ما نعتبره ديكتاتورية في العلاقات الدولية.
من ناحية أخيرة.. وبغض النظر عما يمكن أن يمثله مناقشة هذه القضية من استنزاف للجهد الدولي في أمور قد تبدو ثانوية على الأجندة الدولية بما قد يغيب قضايا أخرى أكثر حيوية، فإن الإستغراق فيها قد يمثل طريقا لتعزيز فرضية صدام الحضارات، في إطار كونه لا يقتصر بالطبع كما سيبدو على هذه القضية أو غيرها وإنما سيمتد الى غيرها من القضايا المماثلة على شاكلة الموقف من الإجهاض وحقوق المراهقين وتجريم الزواج المبكر واعتبار الحفاظ على البكارة كبتا جنسيا، وغيرها من القضايا التي حوتها وثائق أخرى تصادم ما تدعو اليه الأديان كافة.
مجرد ملاحظات على تطور مر مرور الكرام على كثيرين، رغم أنه قد يثير قدرا كبيرا من النزاعات مستقبلا، الأمر الذي ينبغي أن نعد له جيدا.
