على أحد أجمل شواطئ الشارقة وبالقرب من ميناء خالد الشهير يقع مربى الشارقة للأحياء المائية، الذي افتتحه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة في السادس من يونيو الماضي و يضم موسوعة علمية متكاملة لجميع الأحياء البحرية التي تعيش في البيئة المائية للإمارات.
وتتنوع مقتنيات المربى بين الأسماك والثعابين المائية والمحارات والأصداف والأحياء ذات الطبيعة الخاصة مثل الأخطبوط، كما يضم تكوينات صخرية قديمة ما زالت تحتفظ بأبعادها وشكلها القديم، والشعاب المرجانية الطبيعية بألوانها الزاهية وأشكالها المتعددة، وتشمل المعروضات أيضاً أحواضاً خاصة للأحياء المائية صغيرة الحجم التي تحتاج إلى بيئة خاصة ورعاية مستمرة. وتعرض مقتنيات المربى في بيئات طبيعية أو شبه طبيعية، من خلال خمسة طوابق تم تصنيفها بالحروف الهجائية الإنجليزية وتشعر عند استعراضها أنك تملك كنوز البحر بين يديك.
تبدأ الجولة من الدور الأرضي حيث الأنواع المختلفة من المحارات تعرض ضمن إطارات زجاجية وموضح على كل منها بإيجاز نوعها والبيئة التي استخرجت منها، كما تعرض الحرف الساحلية والأدوات المستخدمة فيها مع نموذج مصغر لمركب صيد خشبي. وتعرض إحدى المنصات الشفنين اللاسع سداسي الشكل، وتعتبر المسطحات المائية الضحلة والبحيرات ذات القيعان الرملية موطناً مناسباً لهذا النوع من الكائنات البحرية، ويتغذى على الأسماك الصغيرة والحيوانات اللافقارية التي تعيش في القاع، بينما تهدده شباك الجر التي يستخدمها الصيادون، وتلتهمه أسماك القرش خاصة القرش ذي الرأس المطرقة.
كما تلجأ أسماك الشفنين اللاسع إلى الحيلة للحصول على غذائها حيث تهز زعانفها حتى تغطيها بالكامل بطبقة خفيفة من الرمال فتختفي بذلك عن الحيوانات المفترسة وتقتنص الفرائس بسهولة. أما أسماك الموراي البيضاء فتتميز بجسمها الانسيابي الجميل وتعيش في مسطحات الشعاب المرجانية وأحواض المد وتتغذى على قشريات سرطان البحر، وهي تسبح ليلاً عند بحثها عن الغذاء وتسبح في المياه المفتوحة أثناء النهار. ومن بين أغصان أشجار المانجروف الضاربة بجذورها في أعماق الحوض يظهر الحبار بألوانه الزاهية التي يغلب عليها اللون الوردي، وغيره من الكائنات مثل سرطان البحر والأسماك الصغيرة ومعروف عنه اتباع طريقة الإخطبوط عند الشعور بالخطر، حيث ينفث الحبر في المياه، ويهرب بالدفع النفاث للمياه.
وفي الحوض الضخم المحاط بالأسوار العالية والتحذيرات الصارمة، يسبح القرش المرجاني ذو الزعنفة البيضاء ويعرف عنه طول العمر حيث يعيش أكثر من 25 عاماً ويفضل العيش في الكهوف أو أسفل السلاسل الصخرية ويتغذى على حيوانات الشعاب المرجانية التي تعيش في القاع مثل الأسماك وجراد البحر والأخطبوط وسرطان البحر، وتعتبر أسماك القرش الأكبر حجماً وأسماك الأخفس الكبيرة من أهم الأخطار التي يواجهها هذا النوع من الأسماك.
وفي المكان نفسه يمكن للزائر مشاهدة قرش الحمار الوحشي وهو كائن مسالم ما لم يتعرض للإيذاء، تتميز صغاره بوجود خطوط عرضية على ظهرها تجعلها تشبه الحمار الوحشي، إلا أن الأسماك البالغة منقطة وتسمى أحياناً بالقرش الفهد، ويعيش هذا النوع في المناطق التي تختلط فيها المياه العذبة بالمياه المالحة كما يتكاثر في المناطق الرملية أو حطام السفن ويتغذى على القشريات والرخويات والأسماك الصغيرة وثعابين البحر التي تعيش في القاع.
وفي أحد الأحواض الضخمة نشاهد الشعاب المرجانية الحية التي تتكون من ملايين الكائنات الدقيقة التي تسمى البوليبات المرجانية، تستخرج هذه الكائنات مادة كربونات الكالسيوم من ماء البحر لبناء مستعمرات مركبة على شكل أنابيب ومراوح وقباب لتعيش داخلها.. وتشكل الشعاب المرجانية أحد أكثر الأنظمة البيئية تنوعاً على سطح الأرض. والمعروف أن أغلب كائنات المرجان لا تنمو إلا في المياه التي تسطع عليها أشعة الشمس، أما حول الشارقة فالمياه معتمة والرمال شديدة النعومة، ولذا لا يعيش المرجان هنا إلا في المياه التي يقل عمقها عن 15 متراً.
وتشرح إحدى اللوحات الإرشادية المضيئة محتويات القاع حيث يزداد عمق القاع كلما ابتعدنا عن شاطئ الخليج حتى يصل إلى حوالي 50 متراً، وتعد قيعان البحر الصخرية والشعاب المرجانية مأوى للكثير من الأنواع التي تعيش في البحر، وتعتبر هذه الأماكن بمثابة حضانات لمرحلة فقس البيض ونمو الأسماك. وتذكر اللوحة أن المياه تصبح أكثر صفاء وأقل ملوحة بعد المرور من مضيق هرمز ونظراً لاختلاط مياه البحر مع مياه المحيطين الهندي والهادي فإن الحياة البحرية هنا تتسم بتنوع كبير.
فيعيش قرب الساحل الشرقي للشارقة أكثر من 900 نوع من الأسماك، كما أن تكرار تكسُر أمواج المحيط الهندي على الساحل الشرق للشارقة يتسبب في ظهور جزر صخرية وتشكيلات مرجانية طويلة، تمتلئ بمظاهر الحياة البحرية، فمثلاً تعيش أسماك الموراي في التجويفات والشقوق الصخرية، وتعيش غيرها من الكائنات بين التشكيلات المرجانية.. وهكذا. وفي أحد الأركان تعرض منصة زجاجية متوسطة الحجم أسماكاً من أنواع مختلفة أهمها سمكة الحاسوم الفضي والتي تعتبر القيعان الرملية الساحلية الضحلة والطينية موطنها وتتغذى على الديدان والقشريات والرخويات الصغيرة، كما يمكنها الاختباء في الرمال هرباً من الأخطار.
وفي إحدى المنصات الضخمة التي تخرج منها شجرة مانجروف عملاقة تسبح في هدوء أسماك الدنيس ذات الشريطين، وسميت بذلك لوجود شريطين متوازيين على جسمها، ويصل طولها إلى نصف المتر، كما أنها تتغذى على الحيوانات اللافقارية التي تعيش داخل أصداف المحار الصلبة، ولعل أهم الأخطار التي يواجهها هذا النوع من الكائنات البحرية هو الطيور البحرية وأسماك النهاش الكبيرة.
أما السمكة النافخة ذات النقط البيضاء فتشارك مجموعة من الأسماك الحوض نفسه وتعيش في المياه الساحلية وفي البحيرات الضحلة وتتغذى على الحيوانات اللافقارية واليرقات وقنافذ البحر والمعروف أن جلد هذا النوع وأعضاءه الداخلية تحتوي على سم عصبي ومع ذلك تعتبر من الأطعمة التقليدية في اليابان وتعد بأيدي طهاة مدربين تدريباً خاصاً وتلقى رواجاً كبيراً، ويذكر أن هذا النوع يواجه أخطاراً بيئية أهمها الصيد العرضي وأسماك القرش.
وخلال الجولة بين الأحواض الضخمة ترى مجموعة من الأسماك متشابهة في الحجم وإن اختلفت ألوانها يجمعها حوض واحد وربما عادات متطابقة من بينها سمكة سكاد ذات الشريط الأصفر، والتسمية تطابق الشكل حيث يمتد شريط طويل من عينها حتى ذيلها، وتعيش فوق القيعان في المياه الساحلية وتتغذى على الحيوانات المجهرية التي يطلق عليها العوالق الحيوانية.
إضاءة
في أحد الأركان بمربى الشارقة للأحياء المائية توجد مجموعة من الأحواض تخرج منها أشجار المانجروف، يقول كيرويل مدير المربى المائي بالشارقة إن الأشجار تجذب الكائنات للعيش في ظلال جذورها الواقية وغاباتها الكثيفة، ولذلك نجد في جوار هذه الأشجار العديد من أنواع الحيوانات الغريبة، ومنها حيوان قنديل البحر الذي لا يقوى على السباحة حيث يتدلى في وضع يكون رأسه للأسفل فوق مستنقعات الوحل مع ضخ المياه عبر جسمه الذي يتخذ شكل الجرس، ويقوم باصطياد الحيوانات الصغيرة مستخدماً المجسات الحسية اللاصقة التي تغطي أجزاء من جسمه.
وتسبح أفراس البحر والأسماك بين جذور أشجار المانجروف عند بلوغ موجات المد ذروتها، وتقتات بالصيد للحصول على غذائها ونرى هذه الكائنات تحوم وترفرف في انتظار فريستها من الجمبري الصغيرة حتى تقترب منها مسافة كافية لشفطها بفمها الأنبوبي.
أيمن حجازي



