يبدو أن قدر أفريقيا أن تكون القارة التي تعكس عجز النظام الدولي عن حل أزماتها على نحو يفاقم المآسي الإنسانية بها، وما التطورات التي تحدث على صعيد أزمة زيمبابوي سوى نموذج لذلك.
فإلى جانب العجز الدولي الذي ظهرت ملامحه في مواجهة أزمة الكونغو وتناولناه في عدد سابق، تلوح في الأفق بزيمبابوي أزمة إنسانية جديدة ترتدي ثوبا سياسيا وتتمثل في تفشي وباء الكوليرا في البلاد ما أدى إلى وفاة أكثر من 550 شخصا وسط مؤشرات على ارتفاع عدد المصابين إلى ما يتجاوز أكثر من 12500 شخص على نحو يمثل كارثة وطنية.
وسط هذه الظروف يتفاقم في الوقت ذاته الصراع السياسي في البلاد بين حزب الاتحاد الوطني الذي يرأسه الرئيس روبرت موجابي والحركة من اجل التغيير الديمقراطي التي يتزعمها مورجان تسفنجيراي المعارضة على خلفية نتائج الانتخابات الرئاسية التي جرت 29 مارس الماضي.
وفي هذا الصدد يمكن الإشارة إلى أن تجربة زيمبابوي رغم ما كانت تعد به من تقديم نموذج مغاير إلا أنها لم تختلف عن بقية مثيلاتها الأفريقية على صعيد التمسك بالحكم المطلق من قبل زعمائها وهو ما يقدم موجابي نموذجا صارخا له. فموجابي الذي مضى على توليه الرئاسة أكثر من 28 عاما ويقدر عمره بنحو 84 عاما ما زال متمسكا بالسلطة على نحو يثير الدهشة وبشكل انتهى إلى ما يمكن اعتباره تزويرا في الانتخابات الرئاسية بما يمكنه من مواصلة الحكم خمس سنوات أخري.
فرغم المؤشرات التي تكشف عن تقدم منافسه عليه، إلا أنه أصر على إجراء إعادة للانتخابات بدعوى أن تسفانجيراي لم يحصل على أغلبية مطلقة وذلك رغم عدم إعلان النتائج الرسمية وهو ما قبله المنافس شريطة توفر مراقبة دولية تضمن نزاهة الانتخابات. غير أنه ومواصلة للعبة تعزيز القبضة على الحكم، لجأ نظام موجابي إلى التضييق على معارضيه على نحو دفعهم إلى مقاطعة الانتخابات.
وإزاء ما بدا من ضغوط دولية وفي محاولة لاحتواء هذه الضغوط وافق حكم موجابي على الدخول في محادثات مع المعارضين من أجل الاتفاق على تقاسم السلطة وكان ذلك من خلال اتفاق رسمي جرى توقيعه في 15 سبتمبر الماضي، وهو الاتفاق الذي جرت محاولة تفريغه من مضمونه بإصرار موجابي على تولي الحقائب الهامة وبشكل خاص حقيبة الداخلية.
والسؤال الذي يفرض نفسه هو أين المجتمع الدولي من هذه التطورات؟ رغم ما قد يثيره البعض من شكوك حول الدور البريطاني والأميركي وهو ما دعا موجابي إلى محاولة الترويج لكون الدولتين تحاولان تقويض دعائم حكمه، إلا أن الأوضاع حتى الآن من خلال متابعة ما تم تشير إلى أن الأمور تسير من سئ إلى أسوأ وأن العالم قد يصحو على كارثة إنسانية بكل معني الكلمة سواء على صعيد انتشار مرض الكوليرا أو على صعيد تفاقم أزمة المجاعة في البلاد.
فقمة مجموعة التنمية للجنوب الأفريقي التي عقدت في جوهانسبرج نوفمبر الماضي لم تجد أمامها سوى حث الأطراف المتنازعة على التوصل إلى حل ينهي الأزمة السياسية المستمرة منذ شهور دون تحديد آلية فعالة لذلك. في ذات الوقت الذي تلعب فيه جنوب أفريقيا دورا يثير التساؤلات حيث يدعم رئيسها تابو مبيكي نظام زيمبابوي وسط مؤشرات على محاولة تقويض الجهود الدولية في مواجهة تمسك موجابي بالحكم.
ورغم بحثه الأزمة إلا أن مجلس الأمن الدولي لم يتوصل إلى صيغة ورؤية شاملة لحلها ما يعني كذلك إمكانية تواصلها وتفاقمها خلال الفترة المقبلة، خاصة في ضوء حقيقة ما حذرت منه وكالات غوث دولية من أزمة مجاعة في ضوء حاجة نصف سكان زيمبابوي إلى مساعدات غذائية، وفي ضوء ارتفاع نسبة التضخم في البلاد لتصبح الأعلى على مستوى العالم حيث تقدر بنحو 231%، وهو ما يعزز من خطورتها كون 80% من السكان يعيشون حالة بطالة، فضلا عن تعذر وصول المساعدات الدولية إلى البلاد.. فهل تكون زيمبابوي مأساة أخرى في جبين المجتمع الدولي؟ ذلك ما تشير إليه التطورات.
