بغض النظر عما إذا كان الصحافي العراقي منتظر الزيدي أخطأ أم لا في موقفه بقذف الرئيس الأمريكي بوش بفردتي حذائه، فإن التحليل الموضوعي للحدث يجب أن يتجاوز هذا الموقف إلى ما هو أبعد ويتمثل في رد الفعل العربي والإسلامي بل والعالمي على الحادث والذي يكشف في أحد جوانبه ما يؤكد عليه الكثيرون ويتعلق بوجود اتجاهات في العالم العربي والإسلامي وبقع أخرى من العالم تكن قدرا من الكراهية للسياسات الأمريكية بشكل عام وسياسات إدارة بوش بشكل خاص.
ورغم حقيقة أن الخبر سيطر على كافة وسائل الإعلام العالمية والعربية لغرابته ومحورية الشخصية التي استهدفها، إلا أن جانبا كبيرا من الاهتمام، إعلامي وغير إعلامي، عكس تأييدا وفرحة بما لقيه بوش من خزي في منظور هؤلاء جزاء على ما تبعه من سياسات خلال رئاسته خاصة تجاه القضايا العربية وبشكل أخص تجاه العراق.
ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا أن ما بدا من فرحة عربية وإسلامية لدى بعض الفئات بما حدث تكاد أن تقترب من بعض مظاهر الفرحة التي سادت لدى قطاعات من الجماهير العربية عقب أحداث سبتمبر، وهى فرحة لم تكن تأييدا لبن لادن والقاعدة بقدر ما كانت تعبيرا عن قدر من الشماتة في الولايات المتحدة، الأمر الذي فسره البعض حينذاك بأنه تعبير عن موقف الضعيف في مواجهة الأقوى. فكيف يمكن تفسير الزيدي إذا حاولنا انتزاعه من إطاره كسلوك فردي إلى سلوك جماعي كان يتمنى الكثيرون من العرب القيام به لو واتتهم الفرصة للقيام به؟
يجيب عن هذا السؤال الاتجاه الذي تكشف عنه استطلاعات للرأي من أن الرئيس الأمريكي بوش يأتي في المرتبة الأولى على مستوى الشخصيات المكروهة في العالم الإسلامي متفوقا بذلك على أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي. ورغم مرور أكثر من سبع سنوات على أحداث سبتمبر وطرح السؤال المركزي حول: لماذا يكرهوننا؟ من قبل العديد من الدوائر الأمريكية رسمية وشعبية وغيرها، فإن الأمور يبدو أنها تسير في الاتجاه المعاكس، الأمر الذي يؤكده موقف الحذاء وردود الفعل العربية والإسلامية عليه.
وتحديدا للموقف من البداية نشير إلى التفرقة الضرورية التي يؤكد عليها البعض ممن يتناولون بالتحليل قضية الكراهية في العلاقات العربية الأمريكية وتتمثل في أن هذه الكراهية، حال الاتفاق على وجودها، لا تتجه إلى الأمريكيين كبشر، أو حتى كدولة وإنما تتجه إلى السياسات الأمريكية.
ويمكن تلخيص أسباب المواقف العربية الرافضة للسياسات الأمريكية في عدة قضايا من الغريب أنها تتزايد ولا تنحسر مع تزايد التفاعلات بين الجانبين رغم ما يبدو من جهود مكثفة من أجل إيجاد حلول لهذه المشاكل بما يقوض من أسباب الكراهية على صعيد الطرفين. وتتمثل هذه القضايا في القضية الأم وهى الصراع العربي الإسرائيلي وهي القضية المزمنة والتي تثير مواقف الولايات المتحدة بشأنها حفيظة الشارع العربي وتعود إلى عقود مضت، وبالتحديد منذ قيام الدولة العبرية.
هذا إلى جانب موقف الولايات المتحدة المعادي للأنظمة الوطنية والتي مثلها بشكل أساسي الحقبة الناصرية والمواجهات التي جرت خلالها وكان من نتائجها هزيمة 1967 التي تركت جرحا غائرا في العقل العربي تم اعتبار الولايات المتحدة مسؤولة بشكل أساسي عن جانب كبير منه.
على خلفية هاتين القضيتين تبلورت صورة عامة بشأن الموقف العربي تجاه الولايات المتحدة عكست قدرا من الرفض العربي لها، وهى صورة تعززت بفعل تطورات العقود اللاحقة. ومن ذلك فإنه على صعيد تطورات العقد الجاري والتي سيطرت إدارة بوش على معظم سنواته في شغل البيت الأبيض، فقد احتل عدد من القضايا المتشابكة أجندة العلاقات العربية الأمريكية عززت من مناخ الكراهية العربي والإسلامي للولايات المتحدة.
وتبرز في هذا الخصوص قضية ربط الإسلام بالإرهاب والتي تصاعدت فيما بعد أحداث سبتمبر ووجدت فيها الولايات المتحدة المسوغ لتدشين مجموعة سياسات استهدفت تعزيز هيمنتها منطلقة من المنطقة العربية والإسلامية. وكانت حرب العراق وغزوه خطوة أساسية في هذا المجال، خاصة في ضوء السمة الأساسية التي اتصفت بها وتمثلت بشكل رئيسي، حسب وصف البعض، في كونها حربا منفلتة من قيود القانون الدولي على نحو ساهم بشكل كبير في تعزيز مناخ الكراهية للولايات المتحدة عربيا وإسلاميا، خاصة وأنها تأتي في شكل احتكاك مباشر وليس على خلفية الدفاع أو تبني مواقف معادية للطرف العربي.
وعلى ذلك فإن الجهد الأساسي الذي يجب أن تنصرف إليه السياسة الأمريكية تجاه المنطقة العربية والإسلامية إنما يجب أن يتمحور حول ما يتم وصفه في الأوساط الأمريكية بمعركة كسب العقول والقلوب، الأمر الذي لن يتحقق ما لم تلتزم الولايات المتحدة سياسة تتسم بقدر من الإنصاف تجاه قضايا المنطقة، الأمر الذي يبدو أنه سيؤول الى الإدارة الجديدة برئاسة باراك أوباما والذي يعتبر بحق ورث تركة ثقيلة سواء داخلية أم خارجية من سلفه بوش من بين قضاياها الرئيسية تحسين صورة بلاده لدى الرأي العام العربي والإسلامي.
وهنا فإنه ينبغي عليه الاستفادة من الأخطاء التي وقعت فيها هذه الإدارة، فرغم إنكار إدارة بوش أن الكراهية تعود الى سياساتها، إلا أنها عملت في الوقت ذاته على تحسين صورتها، الأمر الذي لم يتجاوز نطاق العلاقات العامة دون التوغل في حقيقة الأسباب التي تقف وراء هذه الكراهية.
والمشكلة أنه رغم وصول أوباما الديمقراطي الأمر الذي يمثل انحسارا لتيار المحافظين الجدد الذي سيطر على توجهات السياسة الأمريكية خلال حكم بوش، إلا أن سمة الاستمرارية يبدو أنها هي التي ستسيطر على السياسات الأمريكية تجاه العالم العربي والإسلامي مع بعض التغييرات البسيطة التي قد لا تعكس تحولا جوهريا، وهو ما قد يعني أن تحسين الصورة الأمريكية أمر متعذر على الأقل خلال الأمد المنظور.
مصطفى عبد الرازق
